للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

التلطيخ، فكتب أوقارًا، ودأب ليلًا ونهارًا، حتى كف بصره، وثنى عنانه مقصره، على أنه كان مولعًا برضاع الكؤوس، ورضا الكاعب العروس.

ووالى التتار حين غلبتهم، وجرى معهم في حلبتهم، ثم ذهب وكان يقال له أنه يكون منظرًا، ووجدوا ما عملوا محضرًا،. كان أبوه جلال الدين مكرم ممن له اتصال بخدمة الملك الكامل، وحضور في مجلسه الخاص كالنديم له، وكان من ذوي المروءة والعصبية، كثير العناية بالناس، وقضاء حاجة ذوي الحاجات، ودام على هذا إلى الممات وفيه قيل: [من مجزوء الكامل]

قالوا المكرَّم قدْ مَضَى … قلتُ السلام عليكِ مصر

ما بَعد يوم مكرَّم … للفضل إما عاش عذر

ونشأ ولده، وقرأ الأدب، وتأدب، وصحب شرف الدين أبا العباس التيفاشي، وأخذ عنه، واستمد منه، وألف كتاب «سرور النفس مما كان التيفاشي جمعه، وظن به فما أبرزه من خدره ولا أطلعه، وهو كتاب ممتع فيه لأهل المحاضرة مقنع، وكتب جمال الدين بديوان الإنشاء بمصر، وترقى حتى جلس في الدست لقراءة القصص، والتوقيع عليها.

ولما قدم السلطان محمود غازان دمشق، كان فيمن كتب له، وكتب التقاليد لقبجق، وبكتمر السلحدار، والفارس البكي.

وكان قادرًا على كثرة الكتابة، مطيقًا لها، مع اطلاع كثير على فنون عدة. ألف في اللغة كتابًا جليلًا أظنه سماه: نهاية الأرب في لغة العرب» جمع فيها مشاهير كتب اللغة الجليلة، ورتبه ترتيب الجوهري لكتاب «الصحاح» وكتب عليه شيخنا أبو الثناء محمود الحلبي، وأبو حيان بتقريظ الكتاب وشكره.

ووقفت على أجزاء منه على كل منها تقريظ خاص منه قول شيخنا أبي الثناء: وكان ابن المكرم مغرى باختصار الكتب المطولة، فمما اختصر تاريخ الحافظ أبي بكر الخطيب، والذيل عليه لابن النجار، وتاريخ الحافظ أبي القاسم بن عساكر، والجامع في المفردات لابن البيطار، ورأيت أطباء ديار مصر الأجلاء كالسيد الدمياطي، وفرج الله بن صغير وغيرهما يثنون على حسن اختياره، ويقولون إنه مع اختصاره لم يخل فيه بمقصدٍ من مقاصده، ولا ترك موضعًا لم يأت عليه من فوائده، إلى غير هذا مما كتب، [آونة اجتنى]، وآونة احتطب.

وكان على هذا كله مقصرًا في صناعة الإنشاء غير محصد الرشاء، على أنه كان يأتي بالأبيات من الشعر، وإن لم يكن مما يبهر حسنها، ولا يسرف فنها، وكلها من

<<  <  ج: ص:  >  >>