ألا وهل تُسْعِفْني أَوْبَةٌ … يسمو بهانجم المنى الهابط
أرفُلُ في مرط ارتياح وهل … يطرق سَمْعِي: هذه واسط
يازمني عُدْ لي فقدْ رُغْتَني … حتى عَرَاني شيبي الوَاخِط
لم أقطع البيداء في ليلةٍ … يَقْبِضُ ظلي خوفها الباسط
أأراقب الراحة أم لا وهل … يعدل يومًا دهري القاسط
أيا ذوي وُدّي أما اشتقتُمُ … إلى إمام جأشه رابط
وهل عُهودي عندكمْ غَضَّةٌ … أَمْ أنا في ظني إذا غالط
لتهنكم ما عِشتُمُ واسِطٌ … إِنِّي لكم يا سادتي غابط
وحكى فتيان الشاغوري ما معناه: أن ملك النحاة كان له سنور يألفه ويقوم به، فدأ به يطعمه ويعلفه، ويغلق عليه الأبواب خوف نفاره، ويمسح عليه بيده لا يخاف حدباته وأظفاره. فبينا هو يومًا يمر عليه بيده ويريد أنسه وتودده، وإذا به قد عضه عضة زلزلت قوى الشيخ الفاضل، وأنسته جميع الفضائل، فربطها بمنديل عظيم، وتصدى للعواد، وأضحك عليه حتى لم يبق مع أحد فؤاد، فقال فيه فتيان: [المتقارب]
عتبتُ على قِطَّ مَلْكِ النُّحاةِ … وقلتُ أتيت بغيرِ الصَّوابِ
عَضَضْتَ يدًا خُلِقَتْ للندى … وبثّ العلوم وضَرْبِ الرِّقابِ
فأعرض عني وقال اتَّئِد … أليس القطاط أعادي الكلاب
فلما بلغه الأبيات، غضب حتى دارت أم رأسه وسلت من قحفه خيوط العلم بأمراسه، إلا أنه لم يدر من رماه بداهيتها الدهياء، وتركه لا يبصر في ليلته العمياء، فانقطعت عنه حياء أن يقع على ظنه العروف، ويعلم فيها ما يشم من نفسه المعروف، وكتبت إليه شعرًا اعتذر فيه، وينبه على أنه قد يعذر في قول سفيه، فكتب إليَّ: [من الخفيف]
يا خليلي نلتما النعماءَ … وتَسنَّمتُما العُلا والعلاء
ألمما بالشاغور بالمسجدِ المَعْـ … مُورِ واستمطرا به الأنواء
وامنحا صاحبي الذي فيه منّي … كلَّ يوم تحية وثناء
ثم قولا له اعتبر بالذي فهـ … ـت به مازحًا فكان سماء
وقَبلْنا فيه اعتذاركَ عمَّا … قالَهُ الجاهلون عنك افتراء
فكان هذا الفاضل بحمقه، وخروجه عن طرقه، مضغة لكل ماضع، وشغلًا لكل فارغ، يجرب فيه كل أحد سيفه الكهام، ويجر إليه جيش حزنه اللهام، وفيه يقول ابن منير: [مجزوء الخفيف]