للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لطيته، وقضى بما في طويته.

ذكره ابن المستوفي قال: بحراني المولد والمنشأ، إربلي الأصل، نسب أبيه وأهله في عداد الإربليين الآن، وكان جده خطيبًا، وسبب مولده بالبحرين أن أباه يوسف كان تاجرًا، وكان كثير السفر إلى البحرين لجلب اللؤلؤ، فتزوج امرأة من نسائه.

فحدثني أحمد بن علي بن محمد البحراني الحجازي: أنها كانت تدعى الصرخية.

فولدت له محمدًا هذا، وأقام بالبحرين إلى أن ترعرع، وماتت أمه، وخرج من البحرين، فصار إلى إربل وهو على هيأة الجفاة من العرب.

وكان إمامًا في علم العربية، مقدمًا، مفتنًا في أنواع الشعر معظمًا، واشتغل بشيء من علوم الأوائل، يحدثني القاضي أبو محمد، جعفر بن محمد بن محمود بن هبة الله: أنه حل كتاب أو اقلدس على المظفر بن محمد بن المظفر القارئ الطوسي من رساتيق طوس في مدة ثلاثة أشهر، ورأيته حل كتاب الكرة والاسطوانة على نفسه من غير توقف، وأراد حل كتاب المجسطي، فحل منه جملة من أوله، ثم رأى أن ثمرة هذا العلم مر جناها، وعاقبته مذمومة أولاها وأخراها. فنبذه وراء ظهره مجانبًا، ونكب عن ذكره جانبًا، وكان حسن الظن بالله. وأكب على علم النحو، فبلغ منه الغاية، وجاوز النهاية وصار فيه آية، ولم يكن أخذه عن إمام قراءة عليه، ولا تناوله عن عالم أسنده إليه، إنما كان يحل مشكله بنفسه، ويراجع في غامضه صادق حسه، حتى جرى بينه وبين أبي حفص عمر بن محمد بن علي بن أبي نصر الموصلي المعروف بابن الشحنة مناظرة في قوله: [من الطويل]

وقد علِمَ الإيقاظُ أخْفيةَ الكَرَى … يرجّحها مِنْ حَالكٍ واكتحالها

علاه في جميعها، فلم يكن له فرار إلا أن قال: أنت صحفي، فلحق بشيخنا أبي الحرم رحمهما الله، وأقام عنده مرة قريبة، قرأ عليه أصول أبي بكر محمد بن السري السراج، وقرأ عليه كثيرًا من الكتاب، ولم يفعل ذلك حاجة به إلى إفهام، وإنما أراد أن ينتمي على عادتهم في ذلك إلى إمام، وكان بينه وبينه منافرة، فسمع عمر بن محمد بهذا، وكان شيخنا أبو الحرم كثيرًا ما يراجعه في كثير من المسائل المشكلة، ويعاوده في عدد من المواضع المعضلة، وكان أبدًا يرجع إليه في أجوبة ما يورد عليه.

قال ابن المستوفي: وأخبرني من أثق به أنه سمع عمر بن محمد يعتب عليه في هذه القصيدة أيضًا، قوله في الخمرة: [من الكامل]

وكأنها وجه ابن مودود إذا … ما لاح رَوْنَقُ بِشْرِهِ للمُجْتَدِي

فقال: فعل الله بوجهه وصنع لا يكنى، كيف يشبه وجه ملك بالخمرة. وهذا ميل

<<  <  ج: ص:  >  >>