الموصل عائدًا من حلب في رمضان سنة ثلاث وستمائة، وأقام بها مريضًا مدة يسيرة، ثم توفي بها ليلة السبت سادس شوال منها، وخلف ولدًا صغيرًا.
قال أبو المعالي ظافر بن عبد الوهاب الموصلي: كان ﵀ ربما قرض في بعض الأوقات الأبيات من الشعر، ولم يكن شعره على قدر فضله إذ هو فلك النكت والعيون. وأنا أورد من مختاره وجيده، فمن ذلك قوله: [من الوافر]
سَئِمتُ من الحياةِ فلمْ أُرِدْها … تُسالمُني وتشجيني بريقي
عَدُوِّي لا يُقصِّرُ في أَذاتي … ويفعل مثل ذلك في صديقي
وقد أضحت لي الحدباء دارًا … وأهْلُ مَوَدَّتي بلوى العقيق
قال: وهو من جيد قوله: [من الطويل]
على الباب عبد يسأل الإذن طالبًا … به أدب لا أنَّ نُعماكَ تُحجَبُ
فإن كان إذن فهو كالخير داخل … عليكَ وإلا فهو كالشر يذهب
وكان أبدًا يتعصب لأبي العلاء المعري، ويطرب إذا قرئ عليه شعره؛ للجامع بينهما من العمى والأدب، فسلك مسلكه في أبيات تائية أولها: [من البسيط]
هات الحديث عَنِ الخابور لاهتا … ولا المحلين بغدادٍ وتَكريتا
قومي وأين كقومي في الوَرَى بَشَرٌ … يأتون في كلِّ حالٍ شئتُ ما شيتا
ومنها:
فيا أخلايَ هنيتمْ بِهِ وَطنًا … وأنتَ أيضًا بذاك السكن هنيتا
إن فاتني فيكمُ عَيْسٌ أَلَذُّ بهِ … فَإِنَّ شَوقي إليكم قط ما فيتا
وا منبئي الأنباء عن بلدي … إنْ كنتَ حَيَّيَتِهِمْ عَنِّي فحييتا
هَنَّاهُمُ بيَ في الآفاق طيب … بنا يفوق العَرْف عَرْفِ المِسْكِ مَفْتُوتًا
وقائل قال تسلاه فقلتُ لهُ … حُبُّ المَواطِنِ فَرْضٌ كَانَ مَوقُوتا
وذكر بعد ذلك أسماء مواضع من بلد ماكسين، ينفر عنها الطبع، ويمجها لغلظها السمع، وقال يخاطب البرق المومض من نواحيها ويأمره بسقيا أماكن عددها فيها:
وأذكر مغاني مِنْ أَرضِ الحُصَيْنِ ومِنْ … محباس والمُنحنى إنْ كنتَ أُنسيتا
وغير بأس إذا لم تَنْسَ جلدتها … العليا وأوسعها هاميكَ نُبيتا
واجهن عريانا ومجدلها … ورامسًا وصحاريها الأماريتا
فإن فعلت وإلا كنتَ مُعتمرًا … أتى المقام ولم يأتِ المَواقِيتا
هم المعاشر لا مجد كمجدِهِمُ … وأبعد الناس ما بينَ الوَرَى صِيتا