للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

نحوه، ولا يسلك الصباح المعرب إلا نحوه، انتفع به الخلق وارتقع به كلام العرب الخرق، وكان في بلده يستسقى صيبه، ويستدنى أدبه، ولم يكن من أبنائها الطلبة، ورؤسائها أهل المرتبة، إلا من ينظره حيث السُّها، ويرى أنه إذا بدا بالأخذ عنه انتهى.

قال ابن المستوفي: هو شيخنا جامع فنون الأدب، وحجة كلام العرب، واحد العصر وفريد الدهر، المجمع على دينه وعقله، والمتفق على علمه وفضله، ولد بماكسين من ولاية سنجار، ونزل الموصل بعد أن رحل في طلب العلم إلى بغداد، ولقي بها مشايخ النحو واللغة والحديث، وكان واسع الرواية، شائع الدراية.

أخبرني لما رحلت إليه الرحلة الثانية بالموصل سنة سبع وثمانين وخمسمائة، أنه ورد إربل وأقام بمسجد قريب من باب القلعة الغربي بعد أن أضر، وكان سبب عماه جدريًا لحقه، وهو ابن ثمان أو تسع سنين، وكان يقول: أعرف من الألوان الأحمر، وكان على غاية الذكاء والفطنة، فكنت أقرأ عليه كتاب «المجمل» لأبي الحسين أحمد بن فارس معارضًا بأصل أصله، وكان قد سقطت من أصله ورقة، فألحقت فيه بغير خط الأصل، وهي من كتابه في وسطه، فلما انتهت بي القراءة إلى أول تلك الورقة قال لي: هذه الورقة بغير خط الأصل، فتأن في القراءة؛ ليصلحها المعارض لك.

وأحكم القراءات كلها، الأصول منها والشواذ، وكان يقرأ عليه القرآن في كل يوم تلقينًا وتحريرًا جماعة تزيد على الخمسين، ونصب نفسه للانتفاع عليه بالقرآن العزيز، وجميع ضروب الأدب، فكان لا يتفرغ إلا للصلاة المكتوبة أو لما لا بد منه، وتخرج عليه جماعة من أصحابه شهروا به سوى من تردد إليه، فلم يظفر بمطلبه. أخذ النحو عن أبي البركات الأنباري، وأبي محمد بن الدهان، واتصل أبو الحرم بالملك الظاهر غازي وأقام بحلب مدة، وهمت عليه سحب إكرامه، واتصلت به ضروب العامة، وكان حيث خرج من الموصل لم يمكنه سلطانها من السفر حتى ضمن على نفسه بالعود إليها، وكفله أبو السعادات ابن الجزري، وكان قد جعل سبب سفره زيارة بيت المقدس فأقام بحلب، فلما بلغ تأخره صاحب الموصل قال: ما يضر الموصل ألا يكون فيها أبو الحرم، فأحسن المحدث له الاعتذار عنه، ثم وصل إلى


= وطبقات النحاة واللغويين لابن قاضي شهبة، ورقة ٢٥٣، وعقد الجمان للعيني ١٧/ ورقة ٢٩٩، وبغية الوعاة ٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠، رقم ٢٠١٩، وشذرات الذهب ٥/١١، وديوان الإسلام ٤/ ١٢٥ رقم ١٨٢٤، وفهرس مخطوطات الموصل ١٢، والأعلام ٧/ ٢٨٦، والبدر السافر، ورقة ٢٠٠، تاريخ الإسلام (السنوات ٦٠١ - ٦١٠ هـ) ص ١٣٣ رقم ١٦٠.

<<  <  ج: ص:  >  >>