وإهدائه لجيرانه وإخوانه، مغرى بإحسانه إلى خلصائه وخُلَّانه. وقد ناهز الثمانين، وألقى العرانين، وجرب الغث والسمين، وقد وصلت إليه خلعة مصرية، وجائزة سنية، فأخرج القميص الديبقي إلى السوق، فبلغ دون عشرة دنانير، فقال: قولوا: هذا قميص ملك كبير أهداه لملك كبير؛ ليعلم الناس قدره فَيَحُلُّوا عليه البِدَرَ على البدار، وليُجلُّوا قدره في الأقدار، ثم قال: أنا أحق به إذا جهلوا حقه، وتنكبوا سبل الواجب وطرقه.
قال العماد الكاتب: كتب إليَّ لما أخذت المدرسة بدمشق: أنا أهنئ تلك المدرسة بخصائص فلان، فإنها زالت عنها ظلمة الجهل إلى نور الفضل، وأنا بمشيئة الله وحسن توفيقه على عزم المصير إلى زيارته يوم الثلاثاء: [من الخفيف]
فارتقب أيها العماد حُضوري … وانتظر أن أزور يوم الثلاثا
وارض بالعالم الولي ودع حبـ … ـل المعاني يا ذا العلا أنكاثا
والجانب العزيزي معتد لي بهذه إلى أن أحضر لأخدم فضله.
قال: وكتب لي أبياتًا ومعها رقعة إلى نور الدين فيها: [من السريع]
قولوا لنور الدين يا مالكًا … إنعامه نام إلى الناس
لا تنسني يا ذا العُلا والنُّهى … حاشاكَ أنْ تُوسم بالناسي
أوحشني الدهر وأبناؤه … فاختر لكَ الخير بإيناسي
والرقعة أولها: شكرت اهتمام فلان وسعيه، واعتذرت إليه من التصديع، ولكن بيته وفضله يحثانه على احترام الفضل، فليس لغيره، وقد أثرت في الشيخوخة والكبر، ولولا ذلك لقصدت خدمته وقد قال الأول: [من السريع]
وما بَقِي في لمُستمتع … إلا لساني وكفاني لسان
والأبيات: [من السريع]
قل لعماد الدين يا كاتبًا … يفزعُ مِنْ أقلامه الصابي
وشاعرًا ألفاظهُ عذبةٌ … إِنْ كانَ لفظ الغير كالصَّابِ
ويا فقيهًا راميًا خَصْمَهُ … في الحفل إن جاء بأوصاب
قد كنت قبل اليوم أشعرتني … بان نور الدين أوصى بي
فأوصل المكتوب ياذا استعض … مِنْ فَرْطِ إجداب وإخصاب
وكتب إليَّ: [من السريع]
قل لعماد الدين وهوَ الذي … يَمُتُّ بالفقه وبالشعر
وإنه يخجل إنشاؤه الـ … صابي ذا المجد وذا الفخر