للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم دخلت سنة سبع وخمسين والدنيا بلا خليفة.

وفيها نزل التتار على آمد، وكان صاحب مصر المنصور علي بن المعز صبيا، وأتابكه الأمير سيف الدين قطز المعزي مملوك أبيه، وقدم الصاحب كمال الدين بن العديم إليهم رسولا يطلب النجدة على التتار؛ فجمع قطز الأمراء والأعيان، فحضر الشيخ عز الدين بن عبد السلام - وكان المشار إليه في الكلام - فقال الشيخ عز الدين: إذا طرق العدو البلاد وجب على العالم كلهم قتالهم، وجاز أن يؤخذ من الرعية ما يستعان به على جهازهم، بشرط أن لا يبقى في بيت المال شيء، وأن تبيعوا ما لكم من الحوائص والآلات، ويقتصر كل منكم على فرسه وسلاحه، وتتساووا في ذلك أنتم والعامة، وأما أخذ أموال العامة مع بقاء ما في أيدي الجند من الأموال والآلات الفاخرة فلا. ثم بعد أيام يسيرة قبض قطز على ابن أستاذه المنصور، وقال: هذا صبى، والوقت صعب، ولا بد من أن يقوم رجل شجاع ينتصب للجهاد، وتسلطن قطز ولقب ب «الملك المظفر».

ثم دخلت سنة ثمان وخمسين، والوقت أيضا بلا خليفة.

وفيها قطع التتار الفرات، ووصلوا إلى حلب، وبذلوا السيف فيها، ثم وصلوا إلى دمشق، وخرج المصريون في شعبان متوجهين إلى الشام لقتال التتار، فأقبل المظفر بالجيوش وشاليشه ركن الدين بيبرس البندقداري، فالتقواهم والتتار عند عين جالوت، ووقع المصاف، وذلك يوم الجمعة خامس عشر رمضان، فهزم التتار شر هزيمة، وانتصر المسلمون وللّه الحمد، وقتل من التتار مقتلة عظيمة، وولوا الأدبار، وطمع الناس فيهم يتخطفونهم وينهبونهم، وجاء كتاب المظفر إلى دمشق بالنصر، فطار الناس فرحا، ثم دخل المظفر إلى دمشق مؤيدا منصورا، وأحبه الخلق غاية المحبة، وساق بيبرس وراء التتار إلى بلاد حلب وطردهم عن البلاد، ووعده السلطان بحلب، ثم رجع عن ذلك، فتأثر بيبرس من ذلك، وكان ذلك مبدأ الوحشة، وكان المظفر عزم على التوجه إلى حلب لينظف آثار البلاد من التتار، فبلغه أن بيبرس تنكر له وعمل عليه، فصرف وجهه عن ذلك، ورجع إلى مصر وقد أضمر الشر لبيبرس، وأسرّ ذلك إلى بعض خواصه، فأطلع على ذلك بيبرس، فساروا إلى مصر وكل منهما محترس من صاحبه، فاتفق بيبرس وجماعة من الأمراء على قتل المظفر، فقتلوه في الطريق في ثالث عشر شهر ذي القعدة، وتسلطن

<<  <  ج: ص:  >  >>