للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البيت المقدس بالنسبة إلى ما خرّب هؤلاء الملاعين من مدن الإسلام؟ وما بنو إسرائيل بالنسبة إلى ما قتلوا؟

فهذه الحادثة التي استطار شرّها، وعمّ ضررها، وسارت في البلاد كالسحاب استدبرته الريح، فإن قوما خرجوا من أطراف الصين، فقصدوا بلاد تركستان مثل كاشغر وبلاد شاغرق ثم منها إلى بخارى وسمرقند فيملكونها، ويبيدون أهلها، ثم تعبر طائفة منهم إلى خراسان، فيفرغون منها هلكا وتخريبا وقتلا وإبادة، وإلى الرّيّ وهمذان إلى حدّ العراق؛ ثم يقصدون آذربيجان ونواحيها، ويخرّبونها، ويستبيحونها في أقل من سنة - أمر لم يسمع بمثله؛ ثم ساروا من آذربيجان إلى دربند شروان، فملكوا مدنها وعبروا من عندها إلى بلاد اللان، واللكز، فقتلوا وأسروا، ثم قصدوا بلاد قفجاق، وهم أكثر من الترك عددا، فقتلوا من وقف، وهرب الباقون، واستولى التتار عليها.

ومضت طائفة أخرى غير هؤلاء إلى غزنة وأعمالها، وسجستان، وكرمان، ففعلوا مثل هؤلاء، بل أشد.

هذا لم يطرق الأسماع مثله، فإن الإسكندر الذي ملك الدنيا لم يملكها في هذه السرعة، وإنما ملكها في نحو عشر سنين، ولم يقتل أحدا، وإنما رضي بالطاعة، وهؤلاء قد ملكوا أكثر المعمور من الأرض وأحسنه وأعمره في نحو سنة، ولم يبق أحد في البلاد التي لم يطرقوها إلا وهو خائف يترقّب وصولهم إليه.

ثم إنهم لم يحتاجوا إلى ميرة، ومددهم يأتيهم، فإنهم معهم الأغنام والبقر والخيل يأكلون لحومها، لا غير.

وأما خيلهم فإنها تحفر الأرض بحوافرها، وتأكل عروق النبات، ولا تعرف الشعير.

وأما ديانتهم فإنهم يسجدون للشمس عند طلوعها، ولا يحرّمون شيئا، ويأكلون جميع الدوابّ، وبني آدم، ولا يعرفون نكاحا، بل المرأة يأتيها غير واحد.

ولما دخلت سنة ست وخمسين وصل التتار إلى بغداد، وهم مائتا ألف،

<<  <  ج: ص:  >  >>