وفي هذه السنة كاتبه قاضي القضاة ركن الدين الظاهر وكان الملك المعظم صاحب دمشق في نفسه منه، فأرسل له بقجة فيها قباء وكلوته وأمره بلبسها بين الناس في مجلس حكمه، فلم يمكنه الامتناع، ثم قام ودخل داره ولزم بيته، ومات بعد أشهر قهرا، ورمى قطعا من كبده، وتأسف الناس لذلك، واتفق أن الملك المعظم أرسل في عقب ذلك إلى الشرف ابن عنين حين تزهد خمرا وبردا، وقال:
سبح بهذا فكتب إليه يقول (١):
يا أيها الملك المعظم سنة … أحدثتها تبقى على الآباد
تجري الملوك على طريقك بعدها … خلع القضاة وتحفة الزهاد
وفي سنة ثمان عشرة استردت دمياط من الفرنج فلله الحمد.
وفي سنة إحدى وعشرين بنيت دار الحديث الكاملية بالقاهرة بين القصرين، وجعل شيخها أبا الخطاب بن دحية، وكانت الكعبة تكسى الديباح الأبيض من أيام المأمون إلى الآن، فكساها الناصر ديباجا أخضر، ثم كساها ديباجا أسود، فاستمر إلى الآن.
وممن مات في أيام الناصر من الأعلام: الحافظ أبو طاهر السّلفي، وأبو الحسن بن القصّار اللغوي، والكمال أبو البركات بن الأنباري، والشيخ أحمد بن الرفاعي الزاهد، وابن بشكوال، ويونس والد يونس الشافعي، وأبو بكر بن طاهر الأحدب النحوي، وأبو الفضل والد الرافعي، وابن ملكون النحوي، وعبد الحق الإشبيلي صاحب «الأحكام»، وأبو زيد السهيلي صاحب «الروض الأنف»، والحافظ أبو موسى المديني، وابن برّي اللغوي، والحافظ أبو بكر الحازمي، والشرف ابن أبي عصرون، وأبو القاسم البخاري، والعتّابي صاحب
(١) محمد بن نصر اللّه بن مكارم بن الحسن بن عنين، أبو المحاسن، شرف الدين الزرعي الحوراني الدمشقي الأنصاري. أعظم شعراء عصره. ولد في دمشق سنة ٥٤٩ هـ. كان يقول أن أصله من الكوفة من الأنصار، وكان هجاء، قلّ من سلم من هجائه في دمشق حتى السلطان صلاح الدين والملك العادل، نفاه صلاح الدين فذهب إلى العراق والجزيرة وخراسان ومصر والهند واليمن، ثم عاد إلى دمشق بعد وفاة صلاح الدين فمدح الملك العادل وتقرب منه. تولى الكتابة (الوزارة) للملك المعظم بدمشق، وانفصل عنها في أيام الملك الأشرف، فلزم بيته إلى أن مات عام ٦٣٠ هـ.