الكعبة فيها: إلى اللّه العظيم من المسكين عبده، اللهمّ إنك العالم بالسرائر، المطلع على الضمائر، اللهمّ إنك غنيّ بعلمك، واطلاعك على خلقك، عن إعلامي، هذا عبد قد كفر نعمك وما شكرها، وألغى العواقب وما ذكرها، أطغاه حلمك حتى تعدى علينا بغيا، وأساء إلينا عتوّا وعدوا. اللهم قلّ الناصر، واعتز الظالم، وأنت المطلع العالم، المنصف الحاكم، بك نعتز عليه، وإليك نهرب من بين يديه، فقد تعزز علينا بالمخلوقين، ونحن نعتز بك، وقد حاكمناه إليك، وتوكلنا في إنصافنا منه عليك، ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك، ووثقنا في كشفها بكرمك، فاحكم بيننا بالحقّ وأنت خير الحاكمين.
وفي سنة ثمان وعشرين مات الظاهر العبيديّ صاحب مصر، وأقيم ابنه المستنصر بعده - وهو ابن سبع سنين - فأقام في الخلافة ستين سنة وأربعة أشهر.
قال الذهبي: ولا أعلم أحدا في الإسلام لا خليفة ولا سلطانا أقام هذه المدّة. وفي أيامه كان الغلاء بمصر الذي ما عهد مثله منذ زمان يوسف، فأقام سبع سنين حتى أكل الناس بعضهم بعضا، وحتى قيل: إنه بيع رغيف بخمسين دينارا.
وفي سنة ثلاث وأربعين وأربعمائة قطع المعز بن باديس الخطبة للعبيدي بالمغرب، وخطب لبني العباس.
وفي سنة إحدى وخمسين كان عقد الصلح بين السلطان إبراهيم بن مسعود ابن محمود بن سبكتكين صاحب غزنة وبين السلطان جغري بك بن سلجوق أخي طغرلبك صاحب خراسان بعد حروب كثيرة، ثم مات جغري بك في السنة، وأقيم مكانه ابنه ألب أرسلان.
وفي سنة أربع وخمسين زوّج الخليفة ابنته لطغرلبك بعد أن دافع بكل ممكن، وانزعج واستعفى، ثم لان لذلك برغم منه، وهذا أمر لم ينله أحد من ملوك بني بويه مع قهرهم الخلفاء وتحكمهم فيهم.
قلت: والآن زوّج خليفة عصرنا ابنته من واحد من مماليك السلطان فضلا عن السلطان، فإنا للّه وإنا إليه راجعون!