اعتلّ المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين علة صعبة، وكان مزاجه قد تغير من كثرة إفراطه في الجماع. ثم تماسك. فقال ابن المعتز:
طار قلبي بجناح الوجيب … جزعا من حادثات الخطوب
وحذارا أن يشاك بسوء … أسد الملك وسيف الحروب
ثم انتكس، ومات يوم الاثنين لثمان بقين منه.
وحكى المسعودي قال: شكوا في موت المعتضد، فتقدم إليه الطبيب وجسّ نبضه ففتح عينيه، ورفس الطبيب برجله، فتدحاه (١) أذرعا فمات الطبيب ثم مات المعتضد من ساعته، ولما احتضر أنشد:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا
ولا تأمنن الدهر؛ إني أمنته … فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوّا ولم أمهل على ظنّة خلقا
وأخليت دور الملك من كل بازل … وشتتهم غربا ومزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا ورفعة … ودانت رقاب الخلق أجمع لي رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتي … فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ملقى
فأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الذي مني بمصرعه أشقى
فيا ليت شعري بعد موتي ما أرى … إلى نعمة للّه أم ناره ألقى؟