ومن الغرائب أن المتوكل قال للبحتري: قل فيّ شعرا وفي الفتح بن خاقان، فإني أحب أن يحيا معي، ولا أفقده فيذهب عيشي، ولا يفقدني، فقل في هذا المعنى، فقال:
يا سيدي كيف أخلفت وعدي … وتثاقلت عن وفاء بعهدي؟ (١)
لا أرتني الأيام فقدك يا فت … ح ولا عرّفتك ما عشت فقدي
أعظم الرزء أن تقدم قبلي … ومن الرزء أن تؤخر بعدي
حذرا أن تكون إلفا لغيري … إذ تفردت بالهوى فيك وحدي
فقتلا معا كما تقدم.
ومن أخبار المتوكل - أخرح ابن عساكر أن المتوكل رأى في المنام كأن سكرا سليما نيئا سقط عليه من السماء مكتوبا عليه جعفر المتوكل على اللّه، فلما بويع خاض الناس في تسميته فقال بعضهم: نسميه المنتصر، فحدث المتوكل أحمد بن أبي دؤاد بما رأى في منامه، فوجده موافقا فأمضى، وكتب به إلى الآفاق.
وأخرج عن هشام بن عمار قال: سمعت المتوكل يقول: وا حسرتاه على محمد بن إدريس الشافعي، كنت أحب أن أكون في أيامه فأراه وأشاهده، وأتعلم منه، فأني رأيت رسول اللّه ﷺ في المنام وهو يقول: يا أيها الناس إن محمد بن إدريس المطلبي قد صار إلى رحمة اللّه، وخلف فيكم علما حسنا فاتبعوه تهدوا، ثم قال: اللهم ارحم محمد بن إدريس رحمة واسعة، وسهل عليّ حفظ مذهبه، وانفعني بذلك.
قلت: استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي، وهو أول من تمذهب له من الخلفاء.
وأخرج عن أحمد بن علي البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعدل وغيره من العلماء، فجمعهم في داره، ثم خرج عليهم، فقام الناس كلهم له غير أحمد بن المعدل، فقال المتوكل لعبيد اللّه: إن هذا لا يرى بيعتنا، فقال له: بلى يا
(١) هكذا في أصول هذا الكتاب، وصدره غير مستقيم الوزن، وفي الديوان: سيدي أنت كيف أخلفت وعدي، وبه يستقيم الوزن.