ملوك بني العباس في الكتب سبعة … ولم يأتنا في ثامن منهم الكتب
كذلك أهل الكهف في الكهف سبعة … غداة ثووا فيها وثامنهم كلب
وإني لأزهي كلبهم عنك رغبة … لأنك ذو ذنب، وليس له ذنب
لقد ضاع أمر الناس حيث يسوسهم … وصيف وأشناس وقد عظم الخطب (١)
وإني لأرجو أن ترى من مغيبها … مطالع شمس قد يغص بها الشرب
وهمك تركي عليه مهانة … فأنت له أم، وأنت له أب
بويع له بالخلافة بعد المأمون، في شهر رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن، فكتب إلى البلاد بذلك، وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك، وقاسى الناس منه مشقة في ذلك، وقتل عليه خلقا من العلماء، وضرب الإمام أحمد بن حنبل، وكان ضربه في سنة عشرين.
وفيها تحول المعتصم من بغداد وبنى سرّ من رأى، وذلك أنه اعتنى باقتناء الترك، فبعث إلى سمرقند وفرغانة والنواحي في شرائهم، وبذل فيهم الأموال، وألبسهم أنواع الديباج ومناطق الذهب، فكانوا يطردون خيلهم في بغداد، ويؤذون الناس، وضاقت بهم البلد، فاجتمع إليه أهل بغداد وقالوا: إن لم تخرج عنا بجندك حاربناك، قال: وكيف تحاربونني؟ قالوا: بسهام الأسحار، قال: لا طاقة لي بذلك، فكان ذلك سبب بنائه «سرّ من رأى» وتحوله إليها.
وفي سنة ثلاث وعشرين غزا المعتصم الروم، فأنكاهم نكاية عظيمة لم يسمع بمثلها لخليفة، وشتت جموعهم، وخرب ديارهم، وفتح عمورية بالسيف، وقتل منها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان لما تجهز لغزوها حكم المنجّمون أن ذلك طالع نحس، وأنه يكسر، فكان من نصره وظفره ما لم يخف، فقال في ذلك أبو تمام (٢)
(١) وصيف وأشناس: من الأتراك الذين جلبهم المعتصم، وقد كانا استبدا بالأمر، وصدر هذا البيت في الأغاني «لقد ضاع ملك الناس إذ ساس ملكهم». (٢) حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، أبو تمام: الشاعر الأديب، أحد أمراء البيان. ولد في جاسم (من قرى حوران بسورية) عام ١٨٨ هـ ورحل إلى مصر، واستقدمه المعتصم إلى بغداد فأجازه وقدمه على شعراء وقته في العراق، ثم ولي بريد الموصل، فلم يتم سنتين حتى توفي بها عام ٢٣١ هـ. كان فصيحا حلو الكلام، فيه تمتمة يسيرة، يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد والمقاطيع، وفي شعره قوة وجزالة.