أجرني فإني قد ظمئت إلى الوعد … متى تنجز الوعد المؤكد بالعهد
أعيذك من خلف الملوك وقد ترى … تقطّع أنفاسي عليك من الوجد (١)
أيبخل فرد الحسن عني بنائل … قليل وقد أفردته بهوّى فرد (٢)
إلى أن قال:
رأى اللّه عبد اللّه خير عباده … فملّكه، واللّه أعلم بالعبد
ألا إنما المأمون للناس عصمة … مفرقة بين الضلالة والرشد
فقال المأمون: قد أحسن إلا أنه القائل:
أعيناي جودا وابكيا لي محمدا … ولا تذخرا دمعا عليه وأسعدا (٣)
فلا تمّت الأشياء بعد محمد … ولا زال شمل الملك فيه مبدّدا (٤)
ولا فرح المأمون بالملك بعده … ولا زال في الدنيا طريدا مشردا
فهذا بذاك، ولا شيء له عندنا، فقال له الحاجب: فأين عادة أمير المؤمنين في العفو؟ فقال: أما هذا فنعم، فأمر له بجائزة، ورد رزقه عليه.
وأخرج عن علية [عن] حماد بن إسحاق قال: لما قدم المأمون بغداد جلس للمظالم كل يوم أحد إلى الظهر.
وأخرج عن محمد بن العباس قال: كان المأمون يحب لعب الشطرنج شديدا، ويقول: هذا يشحذ الذهن، واقترح فيها أشياء. وكان يقول: لا أسمعن أحدا يقول: تعال حتى نلعب، ولكن يقول: نتداول، أو نتناقل، ولم يكن حاذقا بها!
وكان يقول: أنا أدبّر الدنيا فأتسع لذلك، وأضيق عن تدبير شبرين في شبرين.
وأخرج عن ابن أبي سعيد قال: هجا دعبل (٥) المأمون، فقال:
(١) الوجد، هنا: الحزن.
(٢) هوى فرد: مفرد لا مثيل له.
(٣) لا تذخرا دمعا: لا تبقياه، وأسعدا: أعينا.
(٤) مبددا: متفرقا.
(٥) دعبل بن علي بن رزين الخزاعي، أبو علي، شاعر هجاء. أصله من الكوفة ولد عام ١٤٨ هـ، وأقام ببغداد. شعره جيد، بذيء اللسان، مولعا بالهجو، هجا الخلفاء الرشيد والمأمون