للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأخرج عن أبي العالية قال: سمعت المأمون يقول: ما أقبح اللجاجة بالسلطان، وأقبح من ذلك الضجر (١) من القضاة قبل التفهيم، وأقبح منه سخافة الفقهاء بالدّين، وأقبح منه البخل بالأغنياء، والمزاح بالشيوخ، والكسل بالشباب، والجبن بالمقاتل.

وأخرج عن علي بن عبد الرحيم المروزي قال: قال المأمون: أظلم الناس لنفسه من يتقرّب إلى من يبعده، ويتواضع لمن لا يكرمه، ويقبل مدح من لا يعرفه.

وأخرج عن مخارق قال: أنشدت المأمون قول أبي العتاهية:

وإني لمحتاج إلى ظل صاحب … يروق ويصفو إن كدرت عليه

فقال لي: أعد، فأعدت سبع مرّات، فقال لي: يا مخارق خذ مني الخلافة وأعطني هذا الصاحب.

وأخرج عن هدبة بن خالد قال: حضرت غداء المأمون، فلما رفعت المائدة جعلت ألتقط ما في الأرض، فنظر إليّ المأمون، فقال: أما شبعت؟ قلت: بلى، ولكن حدثني حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس سمعت رسول اللّه يقول: «من أكل ما تحت مائدة أمن من الفقر» فأمر لي بألف دينار.

وأخرج عن الحسن بن عبدوس الصفار قال: لما تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، أهدى الناس إلى الحسن، فأهدى له رجل فقير مزودين، في أحدهما ملح، وفي الآخر أشنان، وكتب إليه: جعلت فداك! خفة البضاعة قصرت ببعد الهمة، وكرهت أن تطوى صحيفة أهل البرّ ولا ذكر لي فيها، فوجهت إليك بالمبتدإ به ليمنه وبركته، وبالمختوم به لطيبه ونظافته. فأخذ الحسن المزودين ودخل بهما على المأمون، فاستحسن ذلك، وأمر بهما ففرغا وملئا دنانير.

وأخرج الصولي عن محمد بن القاسم قال: سمعت المأمون يقول: أنا واللّه ألذ العفو حتى أخاف أن لا أوجر عليه (٢)، ولو علم الناس مقدار محبتي للعفو لتقرّبوا


(١) الضجر - بالتحريك - الملل والسآمة.
(٢) يريد أنه يخشى أن يكون الباعث له على العفو ما يجده فيه من اللذة، لا القصد إلى حسن المثوبة.

<<  <  ج: ص:  >  >>