للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قد جنى جناية، فقال له: واللّه لأقتلنك، فقال: يا أمير المؤمنين تأنّ عليّ، فإن الرفق نصف العفو، قال: وكيف وقد حلفت لأقتلنك؟ فقال: لأن تلقى اللّه حانثا خير من أن تلقاه قاتلا، فخلّى سبيله.

وأخرج الخطيب عن أبي الصّلت عبد السلام بن صالح، قال: بت عند المأمون ليلة، فنام القيم الذي كان يصلح السراج، فقام المأمون وأصلحه وسمعته يقول: ربما أكون في المتوضأ فيشتمني الخدام ويفترون عليّ، ولا يدرون أني أسمع، فأعفو عنهم.

وأخرج الصولي عن عبد اللّه بن البواب، قال: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا، وجلس مرة يستاك على دجلة من وراء ستر - ونحن قيام بين يديه - فمر ملاح وهو يقول: أتظنون أن هذا المأمون ينبل (١) في عيني - وقد قتل أخاه - قال:

فو اللّه ما زاد على أن تبسم وقال لنا: ما الحيلة عندكم حتى أنبل في عين هذا الرجل الجليل؟

وأخرج الخطيب عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكرم من المأمون، بتّ عنده ليلة، فأخذه سعال، فرأيته يسد فاه بكمّ قميصه حتى لا أنتبه.

وكان يقول: أول العدل أن يعدل الرجل في بطانته، ثم الذين يلونهم (٢)، حتى يبلغ إلى الطبقة السفلى.

وأخرج ابن عساكر عن يحيى بن خالد البرمكي قال: قال لي المأمون: يا يحيى اغتنم قضاء حوائج الناس: فإن الفلك أدور والدهر أجور من أن يترك لأحد حالا، أو يبقي لأحد نعمة.

وأخرج عن عبد اللّه بن محمد الزهري قال: قال المأمون: غلبة الحجة أحبّ إليّ من غلبة القدرة، لأن غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجة لا يزيلها شيء.

وأخرج عن العتبي قال: سمعت المأمون يقول: من لم يحمدك على حسن النية لم يشكرك على جميع الفعل.


(١) ينبل: يصير عندي نبيلا، والنبل: جماع مكارم الأخلاق.
(٢) يلونهم: يأتون بعدهم في المرتبة.

<<  <  ج: ص:  >  >>