للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

البيت فيسبق إلى آخره، من غير أن يكون سمعه، قال: إني أنشدته بيتا أجدت فيه فلم أره تحرك له وهو هذا:

أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدين والناس في الدنيا مشاغيل

فقلت له: ما زدت على أن جعلته عجوزا في محرابها في يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدنيا إذا كان مشغولا عنها؟ وهو المطوق لها! ألا قلت كما قال عمك في الوليد (١):

فلا هو في الدنيا يضيع نصيبه … ولا عرض الدنيا عن الدين شاغله

قال ابن عساكر: أخبرنا أبو العز بن كادش، حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا المعافى بن زكريا، حدثنا محمد بن محمود بن أبي الأزهر الخزاعي، حدثنا الزبير بن بكار، حدثني النضر بن شميل قال: دخلت على المأمون بمرو وعليّ أطمار، فقال لي: يا نضر أتدخل على أمير المؤمنين في مثل هذه الثياب؟ فقلت:

يا أمير المؤمنين إن حر مرو لا يدفع إلا بمثل هذه الأخلاق، قال: لا، ولكنك تتقشف، فتجارينا الحديث، فقال المأمون: حدثني هشيم بن بشير، عن مجالد عن الشعبي، عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه : «إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد من عوز» قلت: صدق قول أمير المؤمنين عن هشيم. حدثني عوف الأعرابي، عن الحسن، أن النبي قال:

«إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيه سداد [بالكسر] من عوز» وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا، وقال: السّداد لحن يا نضر؟ قلت: نعم ههنا وإنما لحن هشيم وكان لحانا، فقال: ما الفرق بينهما؟ قلت: السداد [بالفتح] القصد في السبيل، والسداد [بالكسر] البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سداد، قال:

أفتعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجيّ (٢) من ولد عثمان بن عفان يقول:


(١) في الطبري (٣٠٣/ ١٠) «هلا قلت فيه كما قال عمك جرير في عبد العزيز بن الوليد» وفي ابن كثير «عبد العزيز بن مروان».
(٢) عبد اللّه بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي القرشي، أبو عمر، شاعر غزل مطبوع، ينحو نحو عمر بن أبي ربيعة. كان مشغوفا باللهو والصيد. صحب مسلمة بن عبد الملك في وقائعه بأرض الروم وأبلى معه البلاء الحسن. وهو من أهل مكة، لقب بالعرجي لسكناه قرية العرج في الطائف. سجنه والي مكة محمد بن هشام في تهمة دم مولى لعبد اللّه بن عمر، فلم يزل في السجن إلى أن مات عام ١٢٠ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>