للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

هذا نصيبك، فقال له العلماء: كيف علمت يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الرجل خلف ابنتين؟ قالت: نعم، قال: فلهن الثلثان أربعمائة، وخلف والدة فلها السدس مائة، وخلف زوجة فلها الثمن خمسة وسبعون، وباللّه ألك اثنا عشر أخا؟ قالت نعم، قال: أصابهم ديناران، ديناران، وأصابك دينار.

وأخرج عن محمد بن حفص الأنماطي قال: تغدينا مع المأمون في يوم عيد، فوضع على مائدته أكثر من ثلثمائة لون. قال: فكلما وضع لون نظر المأمون إليه، فقال: هذا نافع لكذا، ضار لكذا، فمن كان منكم صاحب بلغم فليتجنب هذا، ومن كان منكم صاحب صفراء فليأكل من هذا، ومن غلبت عليه السوداء فلا يعرض لهذا، ومن قصد قلة الغذاء فليقتصر على هذا، فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين، إن خضنا في الطب كنت جالينوس في معرفته، أو في النجوم كنت هرمس في حسابه، أو في الفقه كنت علي بن أبي طالب في علمه، أو ذكر السخاء كنت حاتم طيئ في صفته، أو صدق الحديث كنت أبا ذرّ في لهجته، أو الكرم فأنت كعب بن مامة في فعاله، أو الوفاء فأنت السموأل بن عاديا في وفائه. فسرّ بهذا الكلام، وقال: إن الإنسان إنما فضل بعقله، ولولا ذلك لم يكن لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم.

وأخرج عن يحيى بن أكثم قال: ما رأيت أكمل من المأمون، بتّ عنده ليلة، فانتبه فقال: يا يحيى انظر إيش عند رجلي؟ فنظرت فلم أر شيئا، فقال:

شمعة، فتبادر الفراشون، فقال: انظروا، فنظروا فإذا تحت فراشه حية بطوله فقتلوها؛ فقلت: قد إنضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم المغيب، فقال: معاذ اللّه! ولكن هتف بي هاتف الساعة وأنا نائم، فقال:

يا راقد الليل انتبه … إن الخطوب لها سرى

ثقة الفتى بزمانه … ثقة محللة العرى

فإنتبهت فعلمت أن قد حدث أمر، إما قريب وإما بعيد، فتأملت ما قرب فكان ما رأيت.

وأخرج عن عمارة بن عقيل قال: قال لي ابن أبي حفصة الشاعر: أعلمت أن المأمون لا يبصر الشعر؟ فقلت: من ذا يكون أفرس منه؟ واللّه إنا لننشد أول

<<  <  ج: ص:  >  >>