ووصل المأمون بغداد في صفر سنة أربع، فكلمه العباسيون وغيرهم في العود إلى لبس السواد وترك الخضرة، فتوقف، ثم أجاب على ذلك.
وأسند الصولي أن بعض آل بيته قالت: إنك على بر أولاد علي بن أبي طالب والأمر فيك أقدر منك على برهم والأمر فيهم، فقال: إنما فعلت ما فعلت لأن أبا بكر لما ولي لم يولّ أحدا من بني هاشم أيضا، ثم عمر ثم عثمان كذلك، ثم ولي علي فولّي عبد اللّه بن عباس البصرة، وعبيد اللّه اليمن، ومعبدا مكة، وقثم البحرين، وما ترك أحدا منهم حتى ولاه شيئا، فكانت هذه منّة في أعناقنا حتى كافأته في ولده بما فعلت.
وفي سنة عشر تزوج المأمون بوران بنت الحسن بن سهل، وبلغ جهازها ألوفا كثيرة، وقام أبوها بخلع القواد وكلفتهم مدة سبعة عشر يوما، وكتب رقاعا فيها أسماء ضياع له ونثرها على القواد والعباسيين، فمن وقعت في يده رقعة باسم ضيعة تسلمها، ونثر صينية ملئت جوهرا بين يدي المأمون عندما زفت إليه.
وفي سنة إحدى عشرة أمر المأمون بأن ينادى: برئت الذمة ممن ذكر معاوية بخير، وأن أفضل الخلق بعد رسول اللّه ﷺ علي بن أبي طالب.
وفي سنة اثنتي عشرة أظهر المأمون القول بخلق القرآن مضافا إلى تفضيل علي على أبي بكر وعمر، فاشمأزت النفوس منه، وكاد البلد يفتتن، ولم يلتئم له من ذلك ما أراد، فكف عنه إلى سنة ثمان عشرة.
وفي سنة خمس عشرة سار المأمون إلى غزو الروم، ففتح حصن قرة عنوة، وحصن ماجدة، ثم سار إلى دمشق، ثم عاد في سنة ست عشرة إلى الروم وافتتح عدة حصون، ثم عاد إلى دمشق، ثم توجه إلى مصر ودخلها فهو أول من دخلها من الخلفاء العباسيين، ثم عاد في سنة سبع عشرة إلى دمشق والروم.
وفي سنة ثمان عشرة امتحن الناس بالقول بخلق القرآن، فكتب إلى نائبه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي ابن عم طاهر بن الحسين في امتحان العلماء كتابا يقول (١) فيه: وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم والسواد الأكبر من حشوة
(١) هذا الكتاب في تاريخ الطبري (٢٨٤/ ١٠) وقد حذف المؤلف الكثير من عباراته.