الرعية وسفلة العامة ممن لا نظر له ولا روية ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه أهل جهالة باللّه، وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه، وقصور أن يقدروا اللّه حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، وذلك أنهم ساووا بين اللّه وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا على أنه قديم لم يخلقه اللّه ويخترعه، وقد قال اللّه تعالى: ﴿إِنّا جَعَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا﴾ (١) فكل ما جعله اللّه فقد خلقه كما قال اللّه تعالى: ﴿وَجَعَلَ اَلظُّلُماتِ وَاَلنُّورَ﴾ (٢) وقال: ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ﴾ (٣) فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وقال: ﴿أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ (٤) واللّه محكم كتابه ومفصله فهو خالقه ومبتدعه، ثم انتسبوا إلى السنة وأظهروا أنهم أهل الحق والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر، فاستطالوا بذلك وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السّمت الكاذب والتخشع لغير اللّه إلى موافقتهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون اللّه وليجة إلى ضلالهم، إلى أن قال: فرأى أمير المؤمنين أن أولئك شر الأمة المنقوصون من التوحيد حظا وأوعية الجهالة وأعلام الكذب ولسان إبليس الناطق في أوليائه والهائل على أعدائه من أهل دين اللّه، وأحق من يتهم في صدقه وتطرح شهادته ولا يوثق به من عمي عن رشده وحظه من الأيمان [باللّه و] بالتوحيد، وكان عمّا سوى ذلك أعمى وأضل سبيلا، ولعمر أمير المؤمنين إن أكذب الناس من كذب على اللّه ووحيه، وتخرص الباطل، ولم يعرف اللّه حق معرفته، فاجمع من بحضرتك من القضاة فاقرأ عليهم كتابنا، وامتحنهم فيما يقولون، واكشفهم عما يعتقدون في خلقه وإحداثه، وأعلمهم أني غير مستعين في عملي، ولا واثق بمن لا يوثق بدينه، فإذا أقروا بذلك ووافقوا فمرهم بنص من بحضرتهم من الشهود ومسألتهم عن علمهم في القرآن وترك شهادة من لم يقر أنه مخلوق، واكتب إلينا بما يأتيك عن قضاة أهل عملك في مسألتهم والأمر لهم بمثل ذلك.
وكتب المأمون إليه أيضا في إشخاص سبعة أنفس، وهم: محمد بن سعد
(١) سورة الزخرف: آية ٣. (٢) سورة الأنعام: آية ١. (٣) سورة طه: آية ٩٩. (٤) سورة هود: آية ١.