الزمان ليلة مات فيها خليفة وقام خليفة وولد خليفة إلا هذه الليلة، وكان يكنى أبا موسى فتكنى بأبي جعفر، حدث عن أبيه وجده، ومبارك بن فضالة، وروى عنه ابنه المأمون وغيره، وكان من أميز الخلفاء وأجلّ ملوك الدنيا، وكان كثير الغزو والحج، كما قال فيه أبو المعالي الكلابي:
فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور
ففي أرض العدوّ على طمرّ … وفي أرض التّرفّه فوق كور
مولده بالرّي - حين كان أبوه أميرا عليها وعلى خراسان - في سنة ثمان وأربعين ومائة.
وأمه أم ولد، تسمى الخيزران، وهي أم الهادي؛ وفيها يقول مروان بن أبي حفصة:
يا خيزران هناك ثم هناك … أمسى يسوس العالمين ابناك
وكان أبيض، طويلا، جميلا، مليحا، فصيحا، له نظر في العلم والأدب.
وكان يصلي في خلافته في كل يوم مائة ركعة إلى أن مات، لا يتركها إلا لعلة، ويتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم.
وكان يحب العلم وأهله، ويعظم حرمات الإسلام، ويبغض المراء في الدين، والكلام في معارضة النص.
وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن، فقال: لئن ظفرت به لأضربنّ عنقه (١).
وكان يبكي على نفسه وعلى إسرافه وذنوبه، سيما إذا وعظ. وكان يحب المديح ويجيز عليه الأموال الجزيلة، وله شعر.
دخل عليه مرة ابن السماك الواعظ، فبالغ في احترامه، فقال له ابن
(١) قد ظهر أمر بشر هذا واستشرى شره في عهد المأمون بن الرشيد، وظاهره المأمون ولم يضرب عنقه.