للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

طهر، وقد رغبت في الصلاة خلفك، فأمر هؤلاء بانتظاري، فقال: انتظروه، ودخل المحراب، فوقف إلى أن قيل: قد جاء الرجل، فكبر، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.

وأسند عن إبراهيم بن نافع أن قوما من أهل البصرة تنازعوا إليه في نهر من أنهار البصرة، فقال: إن الأرض للّه في أيدينا للمسلمين، فما لم يقع له ابتياع منها يعود ثمنه على كافتهم وفي مصلحتهم، فلا سبيل لأحد عليه، فقال القوم: هذا النهر لنا بحكم رسول اللّه . لأنه قال: «من أحيا أرضا ميتة فهي له» وهذه موات، فوثب المهدي عند ذكر النبي حتى ألصق خده بالتراب وقال: سمعت لما قال وأطعت، ثم عاد، وقال: بقي أن تكون هذه الأرض مواتا حتى لا أعرض فيها، وكيف تكون مواتا والماء محيط بها من جوانبها؟ فإن أقاموا البينة على هذا سلمت.

وأسند عن الأصمعي قال: سمعت المهدي على منبر البصرة يقول: إن اللّه أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه وثنى بملائكته فقال: ﴿إِنَّ اَللّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ﴾ (١) الآية، آثره بها من بين الرسل إذ خصكم بها من بين الأمم.

قلت: وهو أول من قال ذلك في الخطبة، وقد استسنها الخطباء إلى اليوم ..

ولما مات قال أبو العتاهية (٢) وقد علقت المسوح على قباب حرمه:

رحن في الوشى وأصبح … ن عليهن المسوح

كل نطّاح من الده … ر له يوم نطوح

لست بالباقي ولو عمّ … رت ما عمر نوح


(١) سورة الأحزاب: آية ٥٦.
(٢) إسماعيل بن القاسم بن سويد العيني العنزي بالولاء، أبو إسحاق الشهير بأبي العتاهية: شاعر مكثر سريع الخاطر في شعره إبداع. ولد في عين التمر بقرب الكوفة عام ١٣٠ هـ، ونشأ في الكوفة وسكن بغداد. وهو يعد من مقدمي المولّدين من طبقة بشار، وأبي نواس. كان ينظم المائة والمائة والخمسين بيتا في اليوم حتى لم يكن للإحاطة بجميع شعره من سبيل. وكان في بدء أمره يبيع الجرار فقيل له «الجرّار»، اتصل بالخلفاء وعلت مكانته عندهم. هجر الشعر مدة، فبلغ ذلك المهدي فسجنه ثم أحضره إليه وهدده بالقتل أو يقول الشعر، فعاد إلى نظمه فأطلقه. توفي في بغداد عام ٢١١ هـ.

<<  <  ج: ص:  >  >>