للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

احتجم، فلما فرغ قال له: يا عبد اللّه، اذهب بهذا الدم فأهرقه حيث لا يراك أحد، فلما ذهب شربه، فلما رجع قال: ما صنعت بالدم؟ قال: عمدت إلى أخفى موضع فجعلته فيه، قال: لعلك شربته! قال: نعم، قال: ويل للناس منك وويل لك من الناس! فكانوا يرون أن القوة التي به من ذلك الدم.

وأخرج عن نوف البكالي قال: إني لأجد في كتاب اللّه المنزل أن ابن الزبير فارس الخلفاء، وقال عمرو بن دينار: ما رأيت مصليا أحسن صلاة من ابن الزبير، وكان يصلي في الحجر - والمنجنيق يصيب طرف ثوبه - فما يلتفت إليه، وقال مجاهد: ما كان باب من العبادة يعجز الناس عنه إلا تكلّفه ابن الزبير، ولقد جاء سيل طبق البيت فجعل يطوف سباحة، وقال عثمان بن طلحة: كان ابن الزبير لا ينازع في ثلاثة: لا شجاعة، ولا عبادة، ولا بلاغة، وكان صيّتا إذا خطب تجاوبه الجبال.

وأخرج ابن عساكر عن عروة أن النابغة الجعدي (١) أنشد عبد اللّه بن الزبير:

حكيت لنا الصديق لما وليتنا … وعثمان، والفاروق؛ فارتاح معدم

وسوّيت بين الناس في الحق فاستوى … فعاد صباحا حالك اللون أسحم

وأخرج عن هشام بن عروة وخبيب قال: أول من كسا الكعبة الديباج عبد اللّه بن الزبير، وكان كسوتها المسوح والأنطاع.

وأخرج عن عمر بن قيس قال: كان لابن الزبير مائة غلام، يتكلم كل غلام منهم بلغة، وكان ابن الزبير يكلم كلّ أحد منهم بلغته، وكنت إذا نظرت إليه في أمر دنياه قلت: هذا رجل لم يرد اللّه طرفة عين، وإذا نظرت إليه في أمر آخرته قلت:

هذا رجل لم يرد الدنيا طرفة عين.

وأخرج عن هشام بن عروة قال: كان أول ما أفصح به عمي عبد اللّه بن الزبير - وهو صغير - السيف، فكان لا يضعه من فيه، فكان أبوه إذا سمع ذلك منه


(١) قيس بن عبد اللّه بن عدس بن ربيعة الجعدي العامري، أبو ليلى: شاعر مفلق، صحابي، اشتهر في الجاهلية، وكان ممّن هجر الأوثان ونهى عن الخمر قبل الإسلام، ووفد على النبي فأسلم. أدرك صفين فشهدها مع علي، ثم سكن الكوفة، فسيره معاوية إلى أصبهان مع أحد ولاتها فمات فيها عام ٥٠ هـ وقد كف بصره وجاوز المائة. سمي النابغة لأنه أقام ثلاثين سنة لا يقول الشعر ثم نبغ فيه.

<<  <  ج: ص:  >  >>