كما أن الاشتغال بالحديث قد أسهم كثيرا في الاشتغال بالتاريخ، لأن المحدثين كانوا يجمعون أحاديث من كل نوع، بعضها يتصل بالعبادات والمعاملات، وبعضها يتصل بسيرة النبي ﷺ والصحابة، فأسلم ذلك أولاً إلى جمع سيرة النبي، ثم أسهمهم شيئاً فشيئاً إلى كتابة التاريخ وأولع العرب بتدوين تاريخ بلادهم وملوكهم وحوادثهم، وتراجم علمائهم وأدبائهم، والراحلين من بلادهم والوافدين إليها، وافتنوا في ذلك افتتانا يدعو إلى العجب، من ذلك ما ألفوه في تاريخهم السياسي من الكتب والأسفار الطوال، مرتباً على السنين، أو مقسمًا بحسب الدول والإمارات، وضمنوه أخبار ملوكهم وخلفائهم وأمرائهم وحروبهم وأيامهم، ومظاهر مدينتهم وحضارتهم وصنوف علومهم ومعارفهم، وألوان ثقافتهم مع ذكر مجتمعاتهم وأسواقهم، ولم يخل ذلك من الاستطراد إلى رواية الأشعار والآداب، والاسترواح بالحديث عن بعض المحاورات والأفاكيه، كما في ما كتبه الواقدي واليعقوبي، والطبري والبلاذري، والمسعودي وابن مسكويه وابن الأثير وابن كثير، وابن خلدون والمقريزي وغيرهم.
ومنه ما وضعوه في تراجم الرواة ورواة الحديث على الخصوص أو ما صنفوه في تاريخ البلدان، وتراجم من نشأ فيها، أو رحل إليها من العلماء وخاصة البلاد التي زخرت بالمدارس والمعاهد، وعمرت مجالسها بصنوف المعارف والآداب كبغداد والكوفة والبصرة ودمشق ومكة والمدينة، وبلاد اليمن، والري ومرو وأربل وبلخ وقزوين والقاهرة وقوص والقيروان وبلاد الأندلس، كانت هذه الكتب مراجع أصيلة في تاريخ الآداب والفنون.
كما ألفوا في طبقات شتى من الناس كالفقهاء والحكماء والأطباء والأعيان والأدباء واللغويين والنحاة.
وبذلك سارت الكتابة التاريخية في اتجاهين: عام وخاص، أما العام فقد انصرف إليه قسم من المؤرخين جريئاً على أسلوب محمد بن جرير الطبري إذ كانوا يؤرخون الأخبار بحسب توالي السنين، وممن نهج هذا المنهج: ابن الأثير في (الكامل في التاريخ) وابن العبري في كتابه (تاريخ مختصر الدول) وابن الجوزي في كتابه (مرآة الزمان) والملك المنصور صاحب حماة في مؤلفه (المضمار في