قلت: في هذا الموضع أغوار وأسرار وقواعد، منها أن الشافعية وغيرهم ينقلون قولين في الجهة والعين إذا غاب وبعد عن البيت، وقد أجمعت الأمة على أن البعيد لا يجب عليه أن يعاين البيت لتعذره، وأجمعت الأمة على أنه إذا تعينت له جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها؛ أنها تجب عليه الصلاة لها، وأجمعت الأمة على صحة صلاة الصف الطويل، وصلاة البلدين المتقاربين إلى جهة واحدة مع أن طول الكعبة خمسة وعشرون ذراعاً، فبعضهم خارج عن العين قطعاً؛ فأين الخلاف وأين القولين؟
ولا يقدر فقيه يقول لمن عين باجتهاده ولم يبن خطأه؛ لا يجزئك، ولا يجب عليك أن تنظر عين الكعبة.
فإن قيل: معنى وجوب العين أن يغلب على ظنه أن الكعبة وراء هذه الجهة؛ فلا يتصور في هذه المسألة خلاف البتة، لتحصيلها على ما يفهمه كثير من الفقهاء بل أكثرهم.
ووجه تحديد الخلاف في هذه المسألة أن النظر في جهات الكعبة كالنظر في أوصاف المياه لتحصيل الطهور به، فالطهورية والكعبة مقصدان، والجهة والأوصاف وسيلتان، فوقع الخلاف؛ هل النظر في الجهات واجب وجوب الوسائل؛ لأنَّ المقصود الكعبة؟ أو واجب وجوب المقاصد؟ لأنَّ الكعبة متعذرة مع الغيبة، بخلاف الطهورية متيسرة، فتكون الجهات هي المقصد فيتحقق القولان؛ هل هي واجبة وجوب المقاصد؟ أو لا تجب وتسقط البتة اكتفاء بالجهات؟ فهذا تحقيق الخلاف.