ولمَّا يَسِلّ مُهنَّدًا مِنْ لحظهِ … إِلا غَدًا وسط الجوانح مغمدا
لما يغنيك القريض مردّدا … إلا وأنساك الغَرِيضَ ومَعْبَدا
غَنَّى فأطرب كل شيء لحنه … حتى الجماد عداهُ مِنْهُ ما عَدَا
كمْ حَرَّكَتْ نَعَمٌ لَهُ مِنْ ساكن … ولَكُمْ بها نَغَمًا لدينا أوجدا
كادت تطيرُ مِنَ السرورِ قلوبنا … لؤ لم يكن قلب لجسم قيدا
شَرُفَتْ على أبصارنا أسماعنا … إذ قام فيها بالأغاني منشدا
فلئنْ غَدًا في الحسن أوحدَ عَصْرِهِ … فلقدْ غَدًا في الحُزْنِ قلبي أوحدا
يا نائمًا ملء الجفون دَعِ الجَفَا … وارحم مَلِيًّا مِنْ هواكَ مُسهَّدا
وَلَقَدْ بَدَا [لي] منكَ ود ظاهر … ياليت شعري ما عَدَا عَمَّا بَدَا
ومنه قوله (١): [من الكامل]
نُورٌ بخدِّكَ أَمْ تَوَقُّدُ نارِ؟ … وَضَنِّى بِجَفْنِيكَ أَمْ خُمَارُ عُقَارِ
وشذًا بريقك أم تأرجُ مِسْكَةٍ … وسَنّى بثغرِكَ أَمْ شِعاعُ دَرَاري
جمعت مَعانِي الحُسْنِ فِيكَ فقد غدت … قيد القلوب وفتنة الأبصار
مُتصاونُ خَفِرٌ إذا ناطقتَهُ … أغضى حياءً في سُكُونِ وقَارِ
في وجهِهِ زَهَرَاتُ روضٍ تُجتلى … مِنْ نَرْجِس مَعْ وردةٍ وبَهارِ
خاف اقتطاف الورد من وجناتِهِ … فأدارَ مِنْ أس سياج عذار
وتسلقتْ نَمْلُ العِذارِ بِخَدِّهِ … لِيَرِدْنَ شَهْدَةَ رِيقِهِ المِعْطَارِ
وبخده نارٌ حمتها ورْدُها … فَوَقَفْنَ بينَ الوِرْدِ والإصْدَارِ
كم ذا أواري في هَوَاهُ مَحَبتي … ولقد وشَى بي فيهِ فَرْطُ أواري
حَكَمَ الجَمَالُ عَلَيَّ أَنِّي عَبْدُهُ … وجمالُهُ مُسْتَعْبِدُ الأحرار
ومنه قوله (٢): [من البسيط]
عشقته عندما تمَّتْ مَحاسنُهُ … وقد تسيّج وردُ الخَدِّ بالزَّغَبِ
حلو الحديث لطيف الروح طيبه … كأنما صِيغَ مِنْ دُرِّ وَمِنْ ذَهَبٍ
مُطاوع لي فيما أرومُ مِنْ … غيرِ فحشاء نأتيها ولا ريب
مُكمَّلُ الخَلْقِ مِنْ فَرْقٍ إِلى قَدَمٍ … مُبَرَّأَ الخَلْقِ مِنْ عُجْبٍ وَمِنْ غَضَبِ
رَشَفْتُ منه رُضابًا لَعسًا … وذُقتُ مِنْ ريقه أحلى مِنَ الضَّرَبِ
سكرتُ من ريقه المعسولِ إِنَّ بِهِ … لَخَمْرَةً هي تُزرِي بابنَةِ العِنَبِ
جَذَبْتُ مِنْ قَدِّهِ غُصْنًا فَجَاذَبني … ما أثقل الغُصْنَ مِنْ أردافه الكُتب
وقد عجبت لبدر فوقَ خُوطتِهِ … وقلَّما أن عهدنا البدر في القضب
وكان في خده خالٌ ففارَقَهُ … لمَّا رأى جَمْرَةً ترميه باللَّهَبِ
(١) ديوانه - التكلمة ٤٤٥ - ٤٤٦.
(٢) أخل بها ديوانه.