يقتصر عليه في المغرب، ولا يحيد ابن دحية في المطرب، ولكان في الاختيارات لأبي سهل حظه الوافر، ولهان بدرة اليتيم ما جاء به ابن بحر في زاد المسافر. وبشر به التوحيدي أبو حيان، وبصر سمى حفيده ابن حيان، وقدم مصر منذ ستين حجة، ثم عاد إلى القاهرة واستوطنها، واستطاب في الأرض وطنها، ومنذ قدمها خوطب بالإمام، ومع هذا فما تأبى عن لقاء الأعلام، ولم يكن نقص يحتاج إلى تمام يقع في الأوهام، وإنما أراد الزيادة بما يحصل باقتداح الإفهام، ومنذ ذاك الطلبة إلى إفادته، ومن حياض أفاته تكرع حتى انتشر مددهم في البلاد انتشار الصباح ونظر أهل الشغف بالعلم من كتبه ما ينظر في الوجوه الصباح، وهو الآن نفع الله به أنموذج اللآلئ الذاهبين، وكنز الطالبين كل الطلبة من عشه درجوا، ومن نبت دراسته خرجوا، وبشذاه أرجوا، وبسناه سقوا عطاء الافهام وفرجوا، وشهاب توفيقه أدلجوا، ومن أثواب تضعفه إلى العلم ولجوا، وأنا ممن قرأ عليه وتشرفت لما مثلت لديه.
وأما تصانيفه فسارت أوقار الإبل، وأما تفريقه للأدب فشيء عليه جبل. إن شعر أخفى ابن خفاجة، أو نثر كتم خصاله ابن أبي الخصال وأطفأ سراجه، فإذا نحا من سببه سيبويه. وإذا تكلم في اللغة محا ابن سيده ما أحكم في المحكم، وضرب عليه، وإذا روى عن الأعراب فإليه تقريب ابن قريب، وأبو عبيدة عبده الواقف بين يديه، وإن فسر رأيت ابن عطية منقصًا، والقرطبي لا يجد مثل بلده المأسورة مخلصًا، أو التبريزي قد عدل إلى بعض الدواوين منكصًا، وابن القيم واقفًا على بابه في يده العصا، مع رواية في حديث النبي ﷺ وفقه كأنما طبع منه في مرآة جيله، ودين يعتصم به المرء، وعدم محاباة إن لاقت به فلا غرور مع ما بلغه هذا السن والعمر الذي تهدأ به البديهة، وتسكن لا تحمد له قريحة، ولا تطمئن به فكرة مريحة، ولا يغرب عن ذاكريه قضية، ولو كانت حقيرة أو قصية، هبة من الله لا تكافئ، ولا تجدها في غيره، ولو عددت آلافًا.
قرأ القرآن بالروايات، وسمع الحديث بجزيرة الأندلس، وبلاد إفريقية، وثغر الإسكندرية، وديار مصر، والحجاز، وحصل على الإجازات من الشام والعراق، واجتهد وطلب. وحصل وكتب، وله اليد الطولى في علوم التفسير، والحديث، والشروط، والفروع، وتراجم الناس، وطبقاتهم، وحوادثهم، وله التصانيف العديدة وتنيف على خمسين مصنفًا. ولما قدم البلاد لازم الشيخ بهاء الدين ابن النحاس كثيرًا، وأخذ عنه كتب الأدب.
وقرأت عليه الأشعار الستة، و «الفصيح» لثعلب، و «المقصورة» لابن دريد، وشعر أبي تمام إلى آخر المديح، وكتبت عنه من أخبار العرب وأدباء الأندلس، وفوائد