مناهلًا، حتى رمقتني من الله عين رحمته، وكنفتني ظلال رأفته، فأتاح لي فيه جليسًا جعل الله وحشة السجن به آنسة الربع والمربع ومقر، مشارعه عذبة المكرع، يقصر الخاطر عن تعداد معاليه، ويقصر النطق عن إظهار معانيه، وما محاسن شيء كله حسن، فاقترح علي أن أجمع تذكرة مما يمله الخاطر علي، ويسنح بي إليَّ، تكون له إن من الله تعالى علينا وعليه بفكاك الأسر كالمذكرة أيام البؤس والزمن العبوس، ليواصل حمد الله سبحانه على ما انجاب من غمامها وانجلى من ركامها، فأجبته إلى ذلك بصدر غير منشرح وقلب غير فرح، والثغر يفتر، والأحشاء تحترق، والله المستعان، وإليه الشكوى من كل بلوى، وهو حسبي ونعم الوكيل. فأجدر ما يبتدأ به ما يغنينا عن وصف حالنا، وهو ما يقال في السجن. قد قيل: إن السجن محك العقول، وتجربة المأمول به يمتحن الصبر من الأحرار، ويكشف العقل والوقار، وألطف ما قيل فيه قول بعضهم، وهو معلقه: [من الطويل]
السِّجْنُ أَصْبَحَ مِثْلَ النَّارِ مُضْرَمَةً … وَالحُرُّ فيه إذا فكرت كالذَّهَبِ
يُصْلَى بِنَارِ هُمُومٍ في جَوَانِحِهِ … تنفى المَآثِمَ من جِدٍّ ومِنْ لَعِبَ
ولشهرة أبيات ابن الجهم بين الناس لم يذكرها، وهي قوله: [من الكامل]
قالوا حُبِسْتَ فقلتُ ليس بضائري … حَبْسي وأيُّ مُهنَّدٍ لا يُعْمَدُ
ولمعلقه: [من البسيط]
لا عارٌ في السِّجْنِ للأحرارِ إِنْ سُجنوا … لغيرِ جُرْمٍ ولكن سجنُهُمْ شَرِفُ
فإن آلَ رسولِ اللهِ كانَ لهم … منه نصيبٌ ولمْ يَجنُوا ولا اقْتَرَفُوا
كالسيف والدرة الزهراء سجنهما … خوفًا وضنًا بها الأغماد والصدف
قال: وكنت بعض الأوقات منضجعًا في علو كنت آوي إليه أيام سجني بقلعة الموصل، وإذا بحمامة تهتف في أعلى ذلك الموضع، فعرض لي طرب حزن، وجدت منه راحة بالبكاء، فقلت: لله در غيلان كأنه أوحي إليه قوله: [من الطويل]
فإن انحدار الدمع يُعقِبُ راحةً … مِنَ الوَجدِ أو يشفي نَجِيَّ البَلابِلِ
ومثله قول الآخر: [من الطويل]
فقلتُ لها إنَّ البكاء لراحة … بهِ يُشتفى مَنْ ظَنَّ أَنْ لا تلاقيا
فعملت أبياتًا وهي: [من الكامل]
وحمائم غَنَّيْنَ في رَأْدِ الضُّحَى … طَرَبًا فقلتُ مقالة المحزون
غَنِّيْنَ فالوجدُ الذي تُبدينَهُ … وجدي المُكتَّمُ والسُّجُونُ شُجُوني
ما جامدات الدمع كالجاري ولا … حال الطليق كحالة المسجون