إن ترك الأمر هملا من غير تفويض للمشار إليه أدخل إذ ذاك المشقة على أهل الحل والعقد في اختيار من ينصبونه للإمامة ويرتضونه لهذا الشأن، فبادر إلى هذا العهد شفقة عليهم، وقصدا لبراءة ذمتهم، ووصول الأمر إلى من هو أهله؛ لعلمه أن العهد كان غير محوج إلى رضا سائر أهله، وواجب على من سمعه وتحمل ذلك منه أن يعمل به ويأمر بطاعته عند الحاجة إليه، ويدعو الناس إلى الانقياد له، فسجّل ذلك عليه من حضره حسب إذنه الشريف، وسطر عن أمره قبل ذلك سيدي المستكفي أبو الربيع سليمان المسمى فيه - عظم اللّه شأنه! - قبولا شرعيا، وكان من صلحاء الخلفاء صالحا دينا عابدا، كثير التعبد والصلاة والتلاوة، كثير الصمت، منعزلا عن الناس، حسن السيرة.
وقال في حقه أخوه المعتضد: لم أر على أخي سليمان منذ نشأ كبيرة.
وكان الملك الظاهر يعتقده، ويعرف له حقه، وكان والدي إماما له، وكان عنده بمكان رفيع، خصيصا به محترما عنده جدا؛ وأما نحن فلم ننشأ إلا في بيته وفضله، وآله خير آل دينا وعبادة وخيرا، وما أظن أنه وجد على ظهر الأرض خليفة بعد آل عمر بن عبد العزيز أعبد من آل بيت هذا الخليفة.
مات في يوم الجمعة سلخ ذي الحجة سنة أربع وخمسين، وله ثلاث وستون سنة، ولم يعش والدي بعده إلا أربعين يوما، ومشى السلطان في جنازته إلى تربته، وحمل نعشه بنفسه.
مات في أيامه من الأعلام: التقي المقريزي، والشيخ عبادة، وابن كميل الشاعر، والوفائي، والقاياتي، وشيخ الإسلام ابن حجر.