للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لم يكن مثلهما في التيقظ والحزم وعلو الهمة، وكان للمستنصر أخ يعرف بالخفاجي يزيد عليه في الشجاعة والشهامة، وكان يقول: إن ملكني اللّه الأمر لأعبرن بالجيوش نهر جيحون، وأنتزع البلاد من التتار واستأصلهم، فلما توفي المستنصر لم ير الدويدار والشرابي والكبار تقليد الخفاجي الأمر، وخافوا منه، وآثروا المستعصم للينه وانقياده؛ ليكون لهم الأمر؛ فأقاموه، ثم ركن المستعصم إلى وزيره مؤيد الدين العلقميّ الرافضي، فأهلك الحرث والنسل، ولعب بالخليفة كيف أراد، وباطن التتار، وناصحهم، وأطمعهم في المجيء إلى العراق، وأخذ بغداد، وقطع الدولة العباسية ليقيم خليفة من آل علي، وصار إذا جاء خبر منهم كتمه عن الخليفة، ويطالع بأخبار الخليفة التتار إلى أن حصل ما حصل.

وفي سنة سبع وأربعين من أيامه أخذت الفرنج دمياط، والسلطان الملك الصالح مريض، فمات ليلة نصف شعبان، فأخفت جاريته أمّ خليل المسماة «شجرة الدّرّ» موته، وأرسلت إلى ولده توران شاه الملك المعظم، فحضر، ثم لم يلبث أن قتل في المحرّم سنة ثمان وأربعين وستمائة، وثب عليه غلمان أبيه فقتلوه، وأمّروا عليهم جارية أبيه «شجرة الدر»، وحلف لها الأتراك ولنائبها عز الدين أيبك التركماني، فشرعت «شجرة الدر» في الخلع للأمراء والأعطيات.

ثم استقلّ عز الدين بالسلطنة في ربيع الآخر، ولقب «الملك المعز» ثم تنصل منها، وحلف العسكر للملك الأشرف بن صلاح الدين يوسف بن المسعود ابن الكامل، وله ثمان سنين، وبقي عز الدين أتابكه، وخطب لهما، وضربت السكة باسمهما.

وفي هذه السنة - أعني سنة ثمان - استردّت دمياط من الفرنج.

وفي سنة اثنتين وخمسين وستمائة ظهرت نار في أرض عدن، وكان يطير شررها في الليل إلى البحر، ويصعد منها دخان عظيم في النهار.

وفيها أبطل المعز اسم الملك الأشرف، واستقلّ بالسلطنة.

وفي سنة أربع وخمسين ظهرت النار بالمدينة النبوية.

قال أبو شامة: جاءنا كتب من المدينة فيها: لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دويّ عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة

<<  <  ج: ص:  >  >>