سبحت الأنواء، وأشرق الضياء، وطلعت ذكاء، وعلت في الأرض السماء، اللّه أكبر ما همى سحاب، ولمع سراب، وأنجح طلاب، وسر قادما إياب - وذكر خطبة بليغة - ثم جلس، ثم قام فخطب، وقال: اللهم أصلحني في ذريتي، وأعني على ما ولّيتني، وأوزعني شكر نعمتك، ووفقني وانصرني، فلما أنهاها وتهيأ للنزول بدره أبو المظفر الهاشمي، فأنشده:
عليك سلام اللّه يا خير من علا … على منبر قد حفّ أعلامه النصر
وأفضل من أمّ الأنام وعمهم … بسيرته الحسنى وكان له الأمر
وأفضل أهل الأرض شرقا ومغربا … ومن جدّه من أجله نزل القطر (١)
لقد شنفت أسماعنا منك خطبة … وموعظة فصل يلين لها الصخر
ملأت بها كلّ القلوب مهابة … فقد رجفت من خوف تخويفها مصر
وزدت بها عدنان مجدا مؤثلا … فأضحى بها بين الأنام لك الفخر
وسدت بني العباس حتى لقد غدا … يباهي بك السّجّاد والعالم البحر
فلله عصر أنت فيه إمامنا … ولله دين أنت فيه لنا الصدر
بقيت على الأيام والملك كلما … تقادم عصر أنت فيه أتى عصر
وأصبحت بالعيد السعيد مهنأ … تشرفنا فيه صلاتك والنحر
وقال وزيره جلال الدين الحسن بن علي بن صدقة يمدحه:
وجدت الورى كالماء طعما ورقة … وأن أمير المؤمنين زلاله
وصوّرت معنى العقل شخصا مصورا … وأن أمير المؤمنين مثاله
ولولا مكان الدين والشرع والتقى … لقلت من الإعظام ﷻ
وفي سنة أربع وعشرين من أيامه ارتفع سحاب أمطر بلد الموصل نارا أحرقت من البلد مواضع ودورا كثيرة.
وفيها قتل صاحب مصر الآمر بأحكام اللّه منصور عن غير عقب، وقام بعده ابن عمه الحافظ عبد المجيد بن محمد بن المنتصر.
وفيها ظهر ببغداد عقارب طيارة لها شوكتان، وخاف الناس منها، وقد قتلت
(١) جده الذي من أجله نزل القطر، قصد به العباس بن عبد المطلب، وكان عمر بن الخطاب استسقى به في قصة معروفة في كتب التاريخ الإسلامي.