بخلافة القاهر، ألقاه على رأسه في بئر وطمت. وذنبه أنه زايد القاهر قبل الخلافة في جارية، واشتراها، فحقد عليه.
وفيها تحرّك الجند عليه، لأن ابن مقلة في اختفائه كان يوحشهم منه، ويقول لهم: إنه بنى لكم المطامير ليحبسكم، وغير ذلك، فأجمعوا على الفتك به، فدخلوا عليه بالسيوف، فهرب، فأدركوه وقبضوا عليه في سادس جمادى الآخرة، وبايعوا أبا العباس محمد بن المقتدر ولقبوه «الراضي باللّه» ثم أرسلوا إلى القاهر الوزير والقضاة أبا الحسين بن القاضي أبي عمر والحسن بن عبد اللّه بن أبي الشوارب، وأبا طالب بن البهلول، فجاؤوه، فقيل له: ما تقول؟ قال: أنا أبو منصور محمد بن المعتضد، لي في أعناقكم بيعة وفي أعناق الناس، ولست أبرئكم، ولا أحللكم منها، فقوموا، فقاموا، فقال الوزير: يخلع ولا نفكر فيه، أفعاله مشهورة، وقال القاضي أبو الحسين: فدخلت على الرّاضي وأعدت عليه ما جرى، وأعلمته أني أرى إمامته فرضا، فقال: انصرف ودعني وإياه، فأشار سيماء مقدّم الحجرية على الراضي بسمله، فكحله بمسمار محمى.
قال محمود الأصبهاني: كان سبب خلع القاهر سوء سيرته، وسفكه الدماء، فامتنع من الخلع، فسملوا عينيه حتى سالتا على خديه.
وقال الصولي: كان أهوج، سفّاكا للدماء، قبيح السيرة، كثير التلوّن والاستحالة، مدمن الخمر، ولولا جودة حاجبه سلامة لأهلك الحرث والنسل.
وكان قد صنع حربة يحميها، فلا يطرحها حتى يقتل بها إنسانا.
قال عليّ بن محمد الخراساني (١): أحضرني القاهر يوما والحربة بين يديه، فقال: أسألك عن خلفاء بني العباس، عن أخلاقهم وشيمهم. قلت: أما السّفّاح: فكان مسارعا إلى سفك الدماء، واتبعه عماله على مثل ذلك، وكان مع ذلك سمحا وصولا بالمال، قال: فالمنصور؟ قلت: كان أوّل من أوقع الفرقة بين ولد العباس وولد أبي طالب، وكانوا قبلها متفقين، وهو أوّل خليفة قرّب المنجمين، وأوّل خليفة ترجمت له الكتب السريانية والأعجمية، ك «كتاب كليلة
(١) هذه المسألة قد أثرها المسعودي في مروج الذهب في ترجمة القاهر باللّه، فارجع إليها هناك.