محمد بن المعتضد، وبايعه مؤنس والأمراء، ولقبوه «القاهر باللّه» وفوضت الوزارة إلى أبي علي بن مقلة، وذلك يوم السبت، وجلس القاهر يوم الأحد، وكتب الوزير عنه إلى البلاد، وعمل الموكب يوم الاثنين، فجاء العسكر يطلبون رزق البيعة ورزق السنة، ولم يكن مؤنس حاضرا، فارتفعت الأصوات، فقتلوا الحاجب ومالوا إلى دار مؤنس يطلبون المقتدر ليردوه إلى الخلافة، فحملوه على أعناقهم من دار مؤنس إلى قصر الخلافة، وأخذ القاهر فجيء به وهو يبكي ويقول: اللّه اللّه في نفسي، فاستدناه وقبله، وقال له: يا أخي أنت واللّه لا ذنب لك، واللّه لا جرى عليك مني سوء أبدا، فطب نفسا، وسكن الناس، وعاد الوزير فكتب إلى الأقاليم بعودة الخلافة إلى خلافته، وبذل المقتدر الأموال في الجند.
وفي هذه السنة سير المقتدر ركب الحاج مع منصور الديلمي، فوصلوا إلى مكة سالمين، فوافاهم يوم التروية عدو اللّه أبو طاهر القرمطي (١)، فقتل الحجيج في المسجد الحرام قتلا ذريعا، وطرح القتلى في بئر زمزم، وضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره، ثم اقتلعه، وأقام بها أحد عشر يوما، ثم رحلوا وبقي الحجر الأسود عندهم أكثر من عشرين سنة، ودفع لهم فيه خمسون ألف دينار، فأبوا حتى أعيد في خلافة المطيع.
وقيل: إنهم لما أخذوه هلك تحته أربعون جملا من مكة إلى هجر، فلما أعيد حمل على قعود هزيل فسمن.
قال محمد بن الربيع بن سليمان: كنت بمكة سنة القرامطة، فصعد رجل لقلع الميزاب وأنا أراه، فعيل صبري وقلت: يا رب ما أحلمك، فسقط الرجل على دماغه فمات، وصعد القرمطي على باب الكعبة وهو يقول:
(١) قرمط: رأس القرامطة من الباطنية وإليه نسبتهم. اختلف في اسمه وأصله، فقيل اسمه حمدان أو الفرج بن عثمان أو الفرج بن يحيى وقرمط لقبه. أصله من خوزستان، عرف في سواد الكوفة عام ٢٥٨ هـ، فكان يظهر الزهد والتقشف واستمال إليه بعض الناس، فأراهم كتابا أوله، بسم اللّه الرحمن الرحيم، يقول الفرج بن عثمان، وهو عيسى، وهو الكلمة، وهو المهدي، وهو أحمد بن محمد بن الحنفية، وهو جبريل .. وكثر أتباعه والسالكون سبيله، وكثر دعاته وتداخلت أخبار قرمط بأخبار دعاته هؤلاء، والأرجح أنه هو الذي قبض عليه عامل الرحبة عام ٢٩٣ هـ وقتله المكتفي باللّه العباسي.