للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

راجعا في مشقة شديدة حتى أناخ بفنائه، فلم يبرح حتى بلغ مراده، وحاز جهاده.

وفي ذلك يقول أبو العتاهية:

ألا نادت هرقلة بالخراب … من الملك الموفق للصواب

غدا هارون يرعد بالمنايا … ويبرق بالمذكرة القضاب

ورايات يحل النصر فيها … تمر كأنها قطع السحاب

وفي سنة تسع وثمانين فادى الروم حتى لم يبق بممالكهم في الأسر مسلم.

وفي سنة تسعين فتح هرقلة، وبثّ جيوشه بأرض الروم، فافتتح شراحيل بن معن بن زائدة حصن الصقالبة، وافتتح يزيد بن مخلد ملقونية (١)؛ وسار حميد بن معيوف إلى قبرس، فهدم وحرق، وسبى من أهلها ستة عشر ألفا.

وفي سنة اثنتين وتسعين توجه الرشيد نحو خراسان، فذكر محمد بن الصباح الطبري أن أباه شيع الرشيد إلى النهروان، فجعل يحادثه في الطريق إلى أن قال: يا صباح لا أحسبك تراني بعدها؛ فقلت: بل يردك اللّه سالما؛ ثم قال: ولا أحسبك تدري ما أجد، فقلت: لا واللّه، فقال: تعال حتى أريك، وانحرف عن الطريق، وأومأ إلى الخواص فتنحوا، ثم قال: أمانة اللّه يا صباح أن تكتم عليّ، وكشف عن بطنه فإذا عصابة حرير حوالى بطنه، فقال: هذه علة أكتمها الناس كلهم، ولكل واحد من ولديّ عليّ رقيب، فمسرور رقيب المأمون، وجبريل بن بختيشوع رقيب الأمين، ونسيت الثالث، ما منهم أحد إلا ويحصي أنفاسي ويعدّ أيامي ويستطيل دهري، فإن أردت أن تعرف ذلك فالساعة أدعو ببرذون، فيجيئون به أعجف ليزيد في علتي، ثم دعا ببرذون فجاؤوا به كما وصف، فنظر إليّ ثم ركبه وودعني وسار إلى جرجان، ثم رحل منها في صفر سنة ثلاث وتسعين وهو عليل إلى طوس، فلم يزل بها إلى أن مات.

وكان الرشيد بايع بولاية العهد لابنه محمد في سنة خمس وسبعين، ولقبه الأمين، وله يومئذ خمس سنين؛ لحرص أمه زبيدة على ذلك، قال الذهبي: فكان


(١) كذا في الطبري (٩٨/ ١٠) وفي ابن الأثير (١٩٦/ ٦) مقلونية، ولعلها مقدونية، وكل هذا تحريف.

<<  <  ج: ص:  >  >>