على معاوية برفع المصاحف فحملت، ونال من القراء، فحكم الخوارج، فلا يزال هذا التحكيم إلى يوم القيامة، والمغيرة بن شعبة؛ فإنه كان عامل معاوية على الكوفة فكتب إليه معاوية: إذا قرأت كتابي فأقبل معزولا، فأبطأ عنه، فلما ورد عليه قال: ما أبطأ بك؟ قال: أمر كنت أوطّئه وأهيّئه، قال: وما هو؟ قال: البيعة ليزيد من بعدك! قال: أوقد فعلت؟ قال: نعم، قال: ارجع إلى عملك، فلما خرج قال له أصحابه: ما وراءك؟ قال: وضعت رجل معاوية في غرز غيّ لا يزال فيه إلى يوم القيامة، قال الحسن: فمن أجل ذلك بايع هؤلاء لأبنائهم، ولولا ذلك لكانت شورى إلى يوم القيامة.
وقال ابن سيرين: وفد عمرو بن حزم على معاوية، فقال له: أذكرك اللّه في أمة محمد ﵌ بمن تستخلف عليها، فقال: نصحت وقلت برأيك، وإنه لم يبق إلا ابني وأبناؤهم، وابني أحق.
وقال عطية بن قيس: خطب معاوية فقال: اللهم إن كنت إنما عهدت ليزيد لما رأيت من فضله فبلغه ما أملت وأعنه، وإن كنت إنما حملني حب الوالد لولده وأنه ليس لما صنعت به أهلا فاقبضه قبل أن يبلغ ذلك، فلما مات معاوية بايعه أهل الشام، ثم بعث إلى أهل المدينة من يأخذ له البيعة، فأبى الحسين وابن الزبير أن يبايعاه، وخرجا من ليلتهما إلى مكة.
فأما ابن الزبير فلم يبايع ولا دعا إلى نفسه، وأما الحسين فكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم زمن معاوية، وهو يأبي، فلما بويع يزيد أقام على ما هو مهموما يجمع الإقامة مرة (١) ويريد المسير إليهم أخرى، فأشار عليه ابن الزبير بالخروج، وكان ابن عباس يقول له: لا تفعل، وقال له ابن عمر: لا تخرج؛ فإن رسول اللّه ﵌ خيره اللّه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه، ولا تنالها - يعني الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه؛ فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، وكلمه في ذلك أيضا جابر بن عبد اللّه وأبو سعيد وأبو واقد الليثي وغيرهم فلم يطع أحدا منهم، وصمم على المسير إلى العراق، فقال له ابن عباس: واللّه إني لأظنك