وعندنا الحج عبادة، والعبادات تسقط بالموت؛ كالزكاة، والصلوات، والصوم على ظاهر مذهبه لو قال: حجوا عني يعتبر رأس المال في وجه من الثلث، ولو لم يَفِ الثلث يكمل من رأس المال، ولو قال: حجوا عني من ثلث مالي من بلدي يستأجر أجيرًا من بلده، فإن لم يَفِ فمن الميقات، وإن لم يَفِ منه يكمل من رأس المال، ولو عين أجيرًا يحج عنه، فمات الأجير يستأجر أجيرًا آخر منه، كذا في تتمتهم (١).
أما الأول وهو اعتبار الثلث يتعين الموصي، ولو عين الموصي مقدارًا ودفعه إلى رجل في الحج في مرضه ثم مات أو سرقت نفقته لا يعطى من مال الميت مرةً أخرى، كذلك هاهنا.
(لأنه)، أي: الثلث الأول محل نفاذ الوصية فيجب تنفيذها منه، ولا يوجد ثلث آخر؛ لأن ذلك يؤدي إلى إتلاف المال على الورثة إلى الوجه الذي سماه وهو الحج، وهذا لأن القسمة لا تتم إلا بالتسليم للموصى له، وهاهنا الموصى له بالحج معنى فلا تتم القسمة إلا بالصرف إليه.
ألا ترى أنه لو أوصى بثلث ماله لفلان فبعثوا إليه فهلك قبل الوصول إليه يبعث إليه ثلث ما بقي، وكذا لو هلك ثانيًا، وثالثًا إلى أن تبقى حبة بالاتفاق، فكذلك هاهنا.
فإن قيل: الحاج النائب هو الموصى له؛ لأن منفعة هذا المال يرجع إليه فهلك وهو الإنفاق على نفسه.
قلنا: لا يصلح النائب أن يكون الموصى له؛ لأنه مجهول، وجهالة الموصي تمنع صحة الوصية.