للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

لِأَنَّ الحَجَّ فَرْضُ العُمْرِ، وَفِي الحَجِّ النَّفْلِ تَجُوزُ الإِنَابَةُ حَالَةَ القُدْرَةِ، لِأَنَّ بَابَ النَّفْلِ أَوْسَعُ،

والعمى جاز أن يحج عنه؛ لأن العجز إذا لزم صار كالموت فجاز العجز عنه، ولو كان يرجى زواله كالمرض والحبس فالأمر موقوف، فإذا دام العجز إلى الموت حكم بوقوعه موضع الفرض، وقد استحكم ولو زال العجز وجب عليه الحج لزوال المعنى المُجَوّز، وبمذهبنا قال الشافعي وأحمد، والثوري، إلا أن عند الشافعي لا يجوز الاستنابة في مرض يرجى زواله وإن دام في قول، وقال: لا يجوز الاستنابة للحي؛ لأنه عاجز والحج يجب على من يستطيع بنفسه خاصة لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران ٩٧] (١).

فإن قيل: إذا زال العجز عن الأمر بعد فراغ المأمور عن الحج ينبغي أن لا يجب الإعادة على الأمر؛ كالمصلي بالمتيمم إذا قدر على الماء بعد الفراغ من الصلاة، وهو رواية المعلّى عن أبي يوسف (٢).

قلنا: الأصل استمرار العجز عن الأصل؛ لجواز الخلف كما في الشيخ الفاني، ولكن تخلف الحكم عن هذا الأصل في باب التيمم لمانع يخصه، وهو أنه لو شرط استمرار العجز لجواز التيمم امتنع جوازه لاستحالة عدم وجدان الماء بقية عمره.

(حال القدرة)، أي: بلا عجز مع وجود الصحة، وبه قال أحمد، ومالك، إلا عند مالك فإنه يكرهه، وعند الشافعي يجوز في أصح قوليه في التطوع مع العجز، وفي قول لا يجوز معه لبعد العبادات البدنية عن قبول النيابة، وإنما جوزنا في الفرض للضرورة، ولأن باب النفل أوسع، ولهذا تجوز صلاة النافلة قاعدًا مع القدرة على القيام؛ لكن للآمر ثواب النفقة بالاتفاق؛ لأن وقوع الفعل عن الأمر بالنص على خلاف القياس، وهو حديث الخثعمية وهو ورد في الفرض؛ لأنها قالت: إن فريضة الحج أدركت أبي، فبقي النفل على أصل القياس.


(١) انظر: بدائع الصنائع للكاساني (٢/ ٢١٣)، والمحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٤٧٧).
(٢) انظر: المحيط البرهاني لابن مازة (٢/ ٤٧٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>