وعند الشافعي في هذه المسألة تفصيل، ذكره في شرح الوجيز فقال: من قصد مكة لا للنسك له حالتان: أحدهما: أن لا يكون ممن يتكرر دخوله؛ بأن دخلها لزيارة أو تجارة أو رسالة، فهو كالمكي إذا دخلها عائدًا من سفره، فهل يلزمه الإحرام بالحج أو العمرة؟ فيه طريقان أصحهما على قولين: أحدهما: يلزمه. والثاني: يستحب.
والطريق الثاني: القطع بالاستحباب.
والحال الثاني: أن يكون ممن يتكرر دخوله فيها، كالحطابين والصيادين ونحوهم.
فإن قيل: في الحالة الأولى لا يلزمه، فهاهنا أولى، وإلا فالمذهب لا يلزمه أيضًا (١).
ولنا: قوله ﵇: «لا يتجاوز أحد الميقات إلَّا مُحرِمًا»(٢)، والمكي خُصَّ من هذا؛ لأن المقصود من الإحرام عند الميقات تعظيم المكة التي شرفها الله تعالى، والمكي باستيطانه لها أو لما حولها جعل نفسه تبعا لها، فقد عظمها، بخلاف الآفاقي؛ فإنه لم يوجد منه المعنى، فلابد من الإحرام لتعظيمها، ولأن كل من كان داخل الميقات يكثر حاجته إلى دخول مكة، فيلزمه الحرج بالإحرام في كل مرة، فالتحق بأهلها، بخلاف ما إذا قصد النسك؛ لأن ذلك يتحقق أحيانًا، فلم يلزمه الحرج.
والشافعي لا يفرق في أحد القولين بين الآفاقي والمكي، في حق من يريد النسك في أنه لا يدخل إلا محرمًا (٣).
ولنا: حديث ابن عباس أنه ﵇ «رخص للحطابين أن يدخلوها بغير
(١) انظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي (٣/ ٣٨٨). (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر: الحاوي الكبير للماوردي (٤/ ٢٤٠)، ونهاية المطلب للجويني (٤/ ٣٦١).