للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
مسار الصفحة الحالية:

لِأَنَّهُ ضَمَانٌ يَعْتَمِدُ وُجُوبَهُ الإِتْلَافُ، فَأَشْبَهَ غَرَامَاتِ الْأَمْوَالِ

أصحاب الشافعي أن في وجوب الضمان على العامد والناسي قولان، وكذلك في المخطئ.

وقال ابن عباس: لا شيء على الخاطئ، وبه أخذ داود الأصبهاني، وسالم والقاسم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة ٩٥] قيده بالعمد، وروي عن سعيد بن جبير، وأحمد كذلك (١). وعن الحسن في الخطأ روايتان.

وقلنا: (لأنه)؛ أي الجزاء (ضمان يعتمد وجوبه للإتلاف)؛ يعني: جزاء الفعل، فيجب على المخطئ والناسي، كالكفارة بقتل المسلم؛ لما أنه تعالى حرم قتل الصيد مطلقا بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُم﴾ [المائدة ٩٥]، وتقيده في الآية بالعمدية ليس لأجل الجزاء؛ بل للوعيد المذكور في آخر الآية، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة ٩٥] ثم العمد للتنبيه؛ لما أن صفة العمدية مانعة لوجوب الكفارة في القتل لتمحض الحظرية، فذكره تعالى هاهنا؛ حتى يعلم أنه لما وجب الكفارة هاهنا بالعمد، فبالخطأ بالطريق الأولى؛ إذ في الآية دلالة بيان الجزاء في العمد، وليس فيها نفي الجزاء عن الخطأ، فكان حكمه موقوفا إلى قيام الدليل، وقد قام وهو قوله: «الضبع صيد وفيه شاةٌ» (٢)، ولم يفصل بين العمد والخطأ والصحابة أوجبوا الجزاء من غير قصد.

وفائدة ذكر العمد في الآية: بيان شرعية التخيير في حالة العمد؛ لأنه لو ذكر الخطأ وأثبت التخيير لما ثبت التخيير في حالة العمد، كما في كفارة الحلق، ومذهبنا قول عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. كذا في المبسوطين، وهو مذهب عامة العلماء (٣).


(١) انظر: المغني لابن قدامة (٣/ ٤٣٩)، والمجموع للنووي (٧/ ٣٢١)، والمحلى لابن حزم (٥/ ٢٣٥)، والإشراف لابن المنذر (١/ ٣٧٦).
(٢) أخرجه أبو داود (٣/ ٣٥٥ رقم ٣٨٠١)، والترمذي (٣/ ٣٠٥ رقم ١٧٩١) وقال: حديث حسن صحيح.
(٣) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ٩٦)، والمغني لابن قدامة (٣/ ٤٣٨)، والمجموع للنووي (٧/ ٣٢١)، والإشراف لابن المنذر (١/ ٣٧٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>