للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

ثم نزل السّلطان في عشرين المحرّم إلى هذه العمارة، ودخل خزانة الكتب التي عملت هناك، وقد حمل إليها كتبا كثيرة في أنواع العلوم كانت بقلعة الجبل وقدّم له ناصر الدّين محمد البارزي، كاتب السّرّ، خمس مائة مجلّد قيمتها ألف دينار، فأقرّ ذلك بالخزانة، وأنعم على ابن البارزي بأن يكون خطيبا وخازن الكتب هو ومن بعده من ذرّيّته (١).

وفي سابع عشر شهر ربيع الآخر منها سقط عشرة من الفعلة: مات منهم أربعة، وحمل ستّة بأسوأ حال.

وفي يوم الجمعة ثاني جمادى الأولى أقيمت الجمعة به ولم يكمل منه سوى الإيوان القبلي، وخطب وصلّى بالنّاس عزّ الدّين عبد السّلام المقدسي - أحد نوّاب القضاة الشّافعية - نيابة عن ابن البارزي كاتب السّرّ.

وفي يوم السبت خامس شهر رمضان منها ابتدئ بهدم ملك بجوار ربع الملك الظّاهر بيبرس، ممّا اشتراه الأمير فخر الدّين عبد الغني بن أبي الفرج الأستادّار، ليعمل ميضأة، واستمرّ العمل هناك. ولازم الأمير فخر الدّين الإقامة بنفسه، واستعمل مماليكه وألزامه فيه، وجدّ في العمل كلّ يوم، فكملت في سلخه بعد خمسة وعشرين يوما. ووقع الشّروع في بناء حوانيت على بابها من جهة تحت الرّبع، ويعلوها طباق.

وبلغت النّفقة على الجامع إلى أخريات شهر رمضان هذا، سوى عمارة الأمير فخر الدّين المذكور، زيادة على سبعين ألف دينار. وتردّد السّلطان إلى النّظر في هذا الجامع غير مرّة.

فلمّا كان في أثناء شهر ربيع الآخر سنة إحدى وعشرين، ظهر بالمئذنة التي أنشئت على بدنة باب زويلة التي تلي الجامع اعوجاج إلى جهة دار التّفّاح، فكتب محضر بجماعة المهندسين أنّها مستحقّة الهدم، وعرض على السّلطان، فرسم بهدمها. فوقع الشّروع في الهدم يوم الثلاثاء رابع عشرينه، واستمرّ في كلّ يوم، فسقط يوم الخميس سادس عشرينه منها حجر هدم ملكا تجاه باب


(١) جاء في وثيقة وقف السّلطان المؤيد شيخ على الجامع فيما يخص خزانة الكتب: «ويرتّب [خطيب الجامع] رجلا أمينا حافظا يكون خازن الكتب بالجامع المذكور يتولّى حفظ ذلك وضعا وبما فيه إصلاح من بعض وغيره كالعادة في مثل ذلك، وأن لا يخرج من الجامع المذكور كتابا … مطلقا … » وحدّدت الوثيقة اسم متولّى الخطابة وخزانة الكتب وهو الإمام ناصر الدّين أبي عبد اللّه محمد الحسيني بن البارزي الشّافعي، كاتب الأسرار الشّريفة الملكي المؤيّدي، وهو ما يتّفق مع ما ذكره المقريزي هنا.
وانظر عن بعض مقتنيات خزانة الكتب المؤيدية (فيما تقدم ٤٤: ٢ *- ٤٥ *)؛ واللوحة المرفقة لظهرية كتاب «مسالك الأبصار في ممالك الأبصار» لابن فضل اللّه العمري.