للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وكانت من بيت المقدس وتربته، ومن الأقصى بها غربته، على أن واديه المقدس كان أحب أوطانه إليه وأوطاره، ولو خشع شراك جبينه قبل نعليه.

بلغ بعد فراق بيت المقدس غاية في اللسان العربي، ورحل عن الطور، فنودي من جانبه الغربي، إلا أنه ما خلا ممن تكلم ورماه بسهامه، وما تألم إلا أنه كان منغمسا في غمار الغفلة، وبعد الذهن الذي ما فيه قلة، ونعوذ بالله من دخل النساء ولعب السفلة بالرؤساء، أرادت تهذيب أخلاقه فغدرته من مخ جحش شويا كما حفظت قدرة للثرى كذا رفعت قربة للثريا.

ولد بمصر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وقرأ على مشايخ زمانه، وانفرد بهذا الشأن، وقصده الطلبة من الآفاق، وكان عالما بكتاب سيبويه وعلله، قيما باللغة وشواهدها، وكان إليه التصفح في ديوان الإنشاء لا يصدر كتاب عن الدولة إلى ملوك النواحي إلا بعد أن يتصفحه، ويصلح ما فيه من خلل خفي، وهذه كانت وظيفة ابن با شاذ.

وكان ينسب إلى الغفلة في غير العربية، وتحكى عنه حكايات، وتصدر غير واحد من أصحابه وبرع. وكان قليل التصنيف، له مقدمة سماها «اللباب وجواب المسائل العشر التي سأل عنها أبو تراب ملك النحاة» و «حاشيته على صحاح الجوهري» فإنها أفردت فجاءت مجلدات.

قال ابن خلكان (١): ورأيت له «حواشي على درة الغواص في أوهام الخواص» للحريري، وله جزء لطيف في «أغاليط الفقهاء» وله «الرد على ابن الخشاب» في الكتاب الذي يبين فيه غلط الحريري في المقامات، وانتصر للحريري، وما أقصر فيما عمله.

وتوفي بمصر في شوال سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة. وكان وسخ الثوب، زري الهيأة واللبسة. يحكي عنه المصريون عجائب منها أنه اشترى لحما وخبزا وبيضا وحطبا، وحمل الجميع في كميه وجاء إلى منزله، فوجد أهله قد ذهبوا لبعض شأنهم والباب مغلقا، فتقدم إلى كوة هناك تفضي إلى داره، فجعل يلقي منها الشيء بعد الشيء، ولم يفكر في تكسير البيض وأكل السنانير اللحم والخبز إذا خلت به.

ومنها أنه اشترى عنبا، وجعله في كمه، وحادث بعض أصحابه، وجعل يعبث بالعنب حتى سال على رجليه. فقال لصاحبه: يجيء المطر؟ فقال: لا، فقال: فما هذا الذي يسقط على رجلي؟ قال: فأملته فإذا هو العنب، فأخبرته فخجل واستحي ومضى.


(١) وفيات الأعيان ٣/ ١٠٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>