وساد وصنف فيه المقدمة التي سماها القانون، ولقد أتى فيها بالعجائب، وهي في غاية الإيجاز مع الاشتمال على شيء كثير من النحو، ولم يسبق إلى مثلها، واعتبرها جماعة من الفضلاء فشرحوها، ومنهم من وضع لها أمثلة، ومع هذا كله، فلا يفهم حقيقتها. وأكثر النحاة ممن لم يكن أخذها عن مُوَقِّف يعترفون بقصور أفهاهم عن إدراك مراده منها؛ فإنها كلها رموز وأشكال. ولقد سمعت من بعض أئمة العربية المشار إليهم في وقته، وهو يقول: أنا ما أعرف هذه المقدمة، وما يلزم من كوني ما أعرفها أن لا أعرف النحو. وبالجملة فإنه أبدع فيها.
قال: وسمعت أن له أمالي في النحو، ولكنها لم تشهر، ورأيت له مختصر التفسير لابن جني في شبه ديوان المتنبي. ونقل أنه كان يدري شيئًا من المنطق. ودخل الديار المصرية، وقرأ على الشيخ محمد بن بري المتقدم ذكره، وقد نقل عنه شيئًا في المقدمة المذكورة.
وذكر بعض المتأخرين في تصنيفه أنه كان قد قرأ الجمل على ابن بري، وسأله عن مسائل في أبواب الكتاب، فأجابه ابن بري عنها، وجرى فيها عند البحث بحث من الطلبة حصلت منه فوائد علقها الجزولي مفردة، فجاءت كالمقدمة فيها كلام غامض، وعقود لطيفة، وإشارات إلى أصول صناعة النحو غريبة، فنقلها الناس عنه، واستفادوها منه، ثم قالوا: هذا المصنف. وبلغني أنه كان إذا سُئِل عنها: هل هي من تصنيفك؟ قال: لا؛ لأنه كان متورعًا، ولما كانت من نتائج خواطر الجماعة عند البحث عن كلام شيخه ابن بري، لم يسعه أن يقول: هي من تصنيفي، وإن كانت منسوبة إليه لأنه الذي انعزل بترتيبها، ثم رجع الجزولي إلى بلاد المغرب بعد أن حج، وأقام بمدينة بجاية مدة، والناس يشتغلون عنه، وانتفع به خلق كثير.
قال ابن خلكان (١): ورأيت جماعة من أصحابه.
وتوفي في سنة عشر وستمائة بمدينة مراكش رحمه الله تعالى.
هكذا سمعت جماعة يذكرون تاريخ وفاته، ثم وقفت على ترجمته وقد رتبها أبو عبد الله بن الآبار فقال: في سنة ست أو سبع مات الجزولي.