للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من صحبه، لم يحسن أحد أبدًا إليه إلا وقابله بالإساءة. كثير الاستهزاء بالأمور الدينية، كثير الخلطة لأوباش الناس والشرب معهم، رحل في صحبة أبي إسحاق إبراهيم بن عبد السلام إلى السلطان أبي المظفر يوسف بن أيوب، فمدحه، فأحسن صلته، ولما وصل إلى الموصل، تنكر له صاحبها أبو الفتح مسعود بن مورود، فلما ولي ولده أبو الحارث أرسلان بن مسعود، أحسن إليه، وولاه بعض أعماله. وكان يحضر مجلس شرابه، فنقل إليه أنه هجاه، فلم يصدق ذلك؛ لعدم الموجب له، فاتفق أن أمر بإحضاره، وسأله عن ذلك، فأنكر، فأمر بضربه بالدرة، فلما ضُرب سقطت ورقة من عمامته فيها الهجو الذي نقل عنه، فشهره في الموصل بأسرها، وحلق لحيته وحبسه فأقام مدة طويلة، وولد له بالحبس ولد، وتوفي كما ذكر المواصلة محبوسًا.

قال ابن المستوفي: وحدثني أبو المهند سيف بن محمد الزيلعي، قال: نزل بي إنسان بدوي، كان حبسه أبو الحارث لما أسره مع من أسر من العرب في وقعة كانت له عليهم. قال: رأيت في محبس الموصل رجلًا فاضلًا شاعرًا، فسألته عن سبب حبسه، فذكر أنه حبس لهجو بلغ عنه الأتابك. قال: ووالله ما هجوته، وإنما قلت قصيدة منها: [من البسيط]

أُعيدُ مَجْدَكَ مِنْ قَدَمٍ أقولُ لهُ … إِنِّي زُهَيْرٌ ولكن ليس لي هَرِمُ

فحبسني كما ترى.

ومن شعره قوله (١): [من الكامل]

طربًا أقول إذا الحمامُ تَرنّما … عيش لنا بالابريقيْن تصرّما

قصرت مسافته فكان كزائر … وافاك في سِنَةِ الرُّقادِ مُسلَّما

أشكو تباعُدَهُ بعين كلما … نهنهتُ فيض دموعها فاضت دما

فاعْصِ اللوائمَ في هَواكَ فإنَّما … رُشْدُ المُتيَّم أن يُعاصي اللُّوما

واشرب على زهر الربيع مُدامة … كالشمس تُبدي المَرْجَ فِيهِ أَنجُما

أو ما تَرَى نُوَّارَهُ وكَأَنَّهُ … نشوان أصبح باكيًا متبسما

رَقَدَ النسيم بجانبيه فنبَّهتْ … أنفاسُهُ منهُ عُيونًا نُوَّما

وسَرَى يُنَمْنِمُ وشْيَهُ فحسبته … وافي بإخبار الأحبَّةِ نُعَما

صقلتْ حَواشي روضه فكأَنَّهُ … مِنْ حسنِهِ قَدْ هَمَّ أنْ يتكلما

وكأنما وُرْقُ الحَمام فواقِدٌ … في الدوح تبكي النائح المُترنّما


(١) قلائد الجمان ٥/ ١٨٤ - ١٨٨.

<<  <  ج: ص:  >  >>