ترى أن أول من اجتمعت فيه ملك كندة امرؤ القيس بن حجر، وهو القائل يوم دارة جلجل وقد نحر ناقة تساوي ثلاثة دنانير لنساء فيهن محبوبته: [من الطويل]
ويومَ نَحَرْتُ للعَذارى مَطيَّتي … فَوَاعَجبًا مِنْ رَحْلِها المُتَحَمّل
فظل العذارى يرتمين بلحمها … وشَحْمِ كَهُذَّابِ الدِّمقْسِ المُفَتَّلِ
فلو كانت محبوبته عاقلة، سخمت وجوه العذارى بشحمها، وأدخلت ما بقي منها في استها.
وهذا أبو الأسود الدؤلي شاعر مُفْلقِ وهو أول من تكلم في النحو، خرج ليلة من داره، فسمع حمارًا له يعتلف، فقال: إني لنائم في فراشي، وأنت تسري في مالي؟!
والله لا بقيت لي في ملك، وأصبح به إلى السوق، فباعه بأبخس الأثمان.
وهذا أبو الطيب المتنبي شاعر كندي. لما أفرغت بين يديه الجائزة المشهورة، وأمر بردها إلى كيسها، تعلقت قطعة منها في خلال الحصر، فجعل يعالجها، ويقول: [من الطويل]
تَبَدَّتْ لنا كالشمس تحتَ غَمامَةٍ … بدا حاجِبٌ منها وضَنَّتْ بحاجِبِ
ولما ظفر بها، وخاف العتب من الحاضرين، قال: لا تحقروها فإنها تحضر المائدة، فكان عذره أنحس من ذنبه.
ولو تتبع هذا لطال، ودع عنك هذا كله، ولو كان الخادم ممن يهون عليه التبذل، لكدى بني شادي الذين هم فتيان الجود وبرامكة الزمان، لا سيما المولى عز الدين أدام الله نعمته الذي يمينه أندى من الغمام، وعزيمته أمضى من الحسام، ووجهه أبهى من البدر ليلة التمام، وهو على الحقيقة نهر للجود من ماء السماء من بحر السماح. [من الطويل]
ورث المكارم مِنْ أبيهِ وجَدِّه … بَدَا حاجب منها وضَنَّتْ بحاجِبِ
وأي رجل أخس وأغبى من رجل يكدي الكندي الذي لقبه أبو يأخذ، ويترك المولى عز الدين الذي لقبه أبو المواهب، وما هو في ذلك إلا كرجل ورد على هذا النيل فتركه ناحية، وحفر إلى جانبه في أرض صلبة سبخة كبريتية لعله أن يخرج له ماء ملحًا زعاقًا، ويترك الماء العذب الزلال بغير كلفة ولا عناء، وأنشد: [من المتقارب]
وإِنِّي وتركي نَدَى الأكرَمِينَ … وقَدْحي بكفي زندًا شحاحا
كتاركة بيضها بالعَراء … ومُلحِفَةٍ بيض أخرى جناحا
كأني أدام الله عزه إذا قرأ هذا البيت، قال: أحسنت وهذا مما كنا فيه، لما يئس من العبد، رجع إلى المولى. والله لا تم له معي مضرب أبدًا. ليس الأمر كما ظن،