للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

عرقه فتسود، وكان إذا رفعها عن رأسه، ثم أراد لبسها، تركها على رأسه كيف اتفق، فتارة عذبتها تلقاء وجهه، وتارة عن يمينه، وتارة عن شماله، فلا يغيره، فإذا قيل له في ذلك، قال: ما استوت العمة على رأس عاقل. هذه كانت حجته.

وكان الوزير ابن هبيرة يلومه على تبذله، فلا يلتفت إليه، ولا يتغير عن سجيته، وما جبلت عليه، ودام لا يصغي للائم، ولا ينقاد لمناف ولا ملائم.

ومن نوادره [أن] بعض من كان يحضر مجلسه قال له يومًا: القفا يُقْصَرُ أو يُمَدُّ؟

فقال: يمد ويُقصر.

ومنها أن الكمال عبد الرحمن الأنباري لما صنف كتاب «الميزان في النحو» وعرض على ابن الخشاب، قال: احملوا هذا الميزان إلى المحتسب ففيها عين.

ومنها أنه كان يومًا في داره في وقت القيلولة، والحر شديد وقد نام، إذ طرق الباب عليه طرقًا مزعجًا، فانتبه، وخرج مبادرًا، وإذا رجلا [ن] من العامة، فقال: ما خطبكما؟ فقالا: نحن شاعران، وقد قال كل منا قصيدة وزعم أنها أجود من قصيدة صاحبه، وقد رضينا [ك]، فقال: لينشد أحدكما. قال: فأنشد أحدهما، وهو مصغ إليه، فلما فرغ هم الآخر بالإنشاد، قال له ابن الخشاب على رسلك شعرك أجود. فقال: كيف خيرت شعري ولم تسمعه؟ فقال: لا يمكن أن يكون شيء أنحس من شعر هذا.

قال أبو محمد بن الخشاب: خرجت من الحلة السيفية قاصدًا زيارة مشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وكان في الصحبة رجل من سكان المشهد يعرف بابن الشوكية علوي، فنزل بنا على بطن من خفاجة؛ ليستصحب معنا منهم خفيرًا، فأكرموا نزلنا، وجاء منهم في الليل صبي ما أظنه بلغ سبعًا، وعليه آثار مرض قد نهكه، فسلم علينا، فقال له العلوي: ما بك يا فلان وسمى الصبي؟ فقال مجيبًا له: بي أنَّ لي مدة أُجْهَدُ وأَمْعَدُ - يريد بأجهد أفعل من قولك رجل مجهود من جهد الحمى، وأمعد أن يصيبني وجع في المعدة، يقال: مُعِدَ فهو ممعود، كما يقال: كُبِد فهو مكبود إذا أصاب كبده مرض، وكذا فئد فهو مفؤود، وباقي الأعضاء، وكذا يقال فيمن أصيب هذا العضو منه برمته، فقال: أميدي أم مرجول أي أصيب يده أم رجله، فتعجبت من فصاحة الصبي، وكان في الرفقة شيخ من أهل المشهد، فسمعه وقد أعيا من السير يقول لعبد له: يا مقبل فركني، فقلت لبعض من معنا: ما معنى قوله فركني؟ فقال: يريد غمزني؛ ليزول تعبي، فقلت: لا إله إلا الله، خالق ذلك الصبي وهذا الشيخ واحد، فكم بين اللسانين والسنين.

وكان أبو محمد يؤدب أولاد المستنجد: المستضيء، وأخاه الأمير أبا القاسم،

<<  <  ج: ص:  >  >>