للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وقمرًا يهتدى بأنواره. تميز في أعلام زاد صيته فهم على الغيوث السواكب، وتزينت الأرض بهم زينة السماء بالكواكب، فشاع فضله، وشاء الله أن يمتد ظله، ففضل على إياس في ذكائه، وحفظ به الفضل بعد ذهاب ذمائه، ولم تذهب ساعة من أيامه إلا في محاضرة، ولا لفظة من كلامه إلا في مناظرة، إلى أن كان سهمه من الحظ موفرًا، وقيل كل الصيد في جوف الفرا، فأخذ في كل فن، وشد وجود مثله في ظن حتى كان المرجع إليه في كل مرام، والمبرد الذي لا يخبو له ضرام.

قلت: جرى مرة ذكر علم النحو وأهل العلم به، وانتصر رجل حضرنا لليزيدي، وفضله على المبرد، وسئلت في ذلك، فقلت: [من الطويل]

لَئِنْ أَصْبَحَتْ أَهْلُ العُلُومِ مَوَارِدًا … ويَصدُرُ عَنْها بالرَوَاءِ ويُورِدُ

فَوَردُ اليَزِيدِيُّ الَّذِي لَيْسَ مِثْلُهُ … لِرَيِّ عِطَاشٍ والشَّرَابُ المُبَرِّدُ

قال ابن خلكان: نزل بغداد، وكان إمامًا في النحو واللغة، وله التواليف النافعة في الأدب، منها: «الكامل» و «الروضة» و «المقتضب»، أخذ عن المازني، والسجستاني، وأخذ عنه نفطويه وغيره. وكان المبرد وثعلب صاحب «الفصيح» عالمين متعاصرين قد ختم بهما تاريخ الأكفاء، وكان المبرد يحب الاجتماع بثعلب للمناظرة والاستكثار منه، وكان ثعلب يكره ذلك ويمتنع منه، وكان المبرد كثير النوادر.

حكى أن المنصور ولى رجلًا على الإجراء على العميان والأيتام والقواعد من النساء، فدخل عليه بعض المتخلفين ومعه ولده، فقال له: إن رأيت أصلحك الله أن تثبت اسمي مع القواعد، فقال له: القواعد نساء، فكيف أثبتك فيهن، قال: ففي العميان، قال: أما هذا فنعم؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] (١) فقال: وثبت ولدي في الأيتام، فقال: هذا أفعله أيضًا؛ فإن من تكن أنت أباه، فهو يتيم.

وقد عناه ابن المعدل فقال (٢): [من الوافر]

سَأَلْنَا عَنْ ثُمَالَةَ كُلِّ حَيٍّ … فَقَالَ القَائِلُونَ: ومَنْ ثُمَالُه؟

فقلتُ: محمد بن يزيد منهم … فقالوا: زدتنا بهم جَهَالَه

فقالَ ليَ المُبرِّدُ خَلٌّ عنَّا … فقومِي معشر فيهم نذاله

قال ابن خلكان: ويقال: إن المبرد قال هذه الأبيات لتحفظ ليشتهر نسبه في ثمالة.


(١) سورة الحج: الآية ٤٦.
(٢) مجموع شعره ص ١٤٥ رقم ٨١.

<<  <  ج: ص:  >  >>