هذا وهو أحد الأئمة الذين يهدون، وأعلام الأئمة الذين ينتدون، وكان بحرًا لا تسد لبعض نبعه، ولا تجاريه إلا تفتر بخيام غمام، وأطناب برقه.
وأخذ عن أبي عمرو بن العلاء وطبقته، وأخذ عنه أبو عبيدة، وسيبويه، والكسائي، ويونس بن حبيب، وكان دينًا ثقة ورعًا.
قال المرزباني (١): هو أول من فسر الشعر تحت كل بيت منه، وما كان الناس يعرفون ذلك قبله، وإنما كانوا إذا فرغوا من القصيدة فسروها.
وحدث الأصمعي قال: وقف أبو الخطاب على أعرابي يريد الحج، فقال: أتقرأ شيئًا من القرآن؟ قال: نعم. قال: فاقرأ. قال:[من الطويل]
فإن كنت قد أيقنت أنَّكَ مَيِّتٌ … وأنكَ مَجزيٌّ بما كنت تفعل
فكن وجلًا من سكرة الموتِ خائفًا … ليوم به عنكَ الأقارب تُشغَلُ
فقال: ليس هذا من القرآن! قال: فاقرأ أنت، فقرأ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ (٢). فقال: هذه أخت التي تلوتها سواء إلا أنها بعد لم تنتظم لك. وكان له أشياء، ينفرد بها عن العرب.
(١) محمد بن عمران بن موسى، أبو عبيد الله المرزباني: إخباري مؤرخ أديب. أصله من خراسان. ومولده في بغداد سنة ٢٩٧ هـ/ ٩١٠ م ووفاته فيها سنة ٣٨٤ هـ/ ٩٩٤ م. كان مذهبه الاعتزال. له كتب عجيبة، أتى على وصفها ابن النديم، منها «المفيد في الشعر والشعراء ومذاهبهم، نحو خمسة آلاف ورقة، والأزمنة في الفصول الأربعة والغيوم والبروق وأيام العرب والعجم، نحو ألفي ورقة، والمونق في تاريخ الشعراء، نحو ثلاثة آلاف ورقة ومعجم الشعراء - ط» القسم الثاني منه، و «الموشح - ط» و «أخبار البرامكة نحو خمسمائة ورقة، و «شعر حاتم الطائي وأخبار السيد الحميري - ط» و «أخبار المعتزلة كبير، و «المستنير» في أخبار الشعراء المحدثين، أولهم بشار وآخرهم ابن المعتز، و «الرياض» في أخبار العشاق، والرائق» في الغناء والمغنين، و أخبار أبي مسلم الخراساني» و «أخبار شعبة بن الحجاج» و «أخبار ملوك كندة» و «أخبار أبي تمام» و «المراثي» و «تلقيح العقول في الأدب و الشعر» و «أشعار الخلفاء» و «ديوان يزيد بن معاوية الأموي» و «أشعار النساء - خ» الجزء الثالث منه، وغير ذلك. قالوا: كان جاحظ زمانه. وقال الأزهري: كان المرزباني يضع المحبرة وقنينة النبيذ، يكتب ويشرب وكان عضد الدولة يتغالى فيه ويمر بداره فيقف حتى يخرج إليه وأعطاه مرة ألف دينار. ترجمته في: الفهرست لابن النديم ١/ ١٣٢، ووفيات الأعيان ١/ ٥٠٧، وسير النبلاء - خ. الطبقة الحادية والعشرون وميزان الاعتدال ٣/ ١١٤، ولسان الميزان ٥/ ٣٢٦، والفهرس التمهيدي ٢٩٧، وتاريخ بغداد ٣/ ١٣٥، والموشح مقدمة الناشر. والوافي بالوفيات ٤/ ٢٣٥، والعبر للذهبي ٣/ ٢٧، الأعلام ٦/ ٣١٩. (٢) سورة ق: الآية ١٩.