من مدارج النمال وأسرع تغيرًا من مناهج الرمال، فأضرب كل ضريب عن مداناته، ولم يحمل فهمه السقيم قدر مداواته.
قال المسعودي (١): كان ابن دريد ببغداد ممن برع في زماننا هذا في الشعر، وانتهى في اللغة، فقام مقام الخليل بن أحمد فيها، وكان يذهب إلى الشعر كل مذهب، فطورًا يحرك، وطورًا يرق، وشعره أكثر من أن نحصيه، أو نأتي على أكثره، ومن جيد شعره مقصورته الفائقة، قال: وقد عارضه فيها جماعة من الشعراء، منهم أبو القاسم بن أبي الفهم الأنطاكي التنوخي.
غُصن على دِعْصِ تأوَّدَ فوقَهُ … قَمَرٌ تألق تحت ليل مطبق
لو قيل للحُسْنِ احتكمْ مِنْ بعدها … أو قيل خاطب غيرها لم ينطق
وكأننا من فرقها في مَغْرب … وكأننا مِنْ وجهها في مَشْرِقِ
تبدو فيهتف بالعيون ضياؤُها … الوَيلُ حَلَّ بمقلةٍ لم تطبق
ولد بالبصرة في سكة صالح سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ونشأ بها، وأخذ عن السجستاني، والرياشي، وغيرهما. ثم انتقل إلى عُمان، وأقام بها اثنتي عشرة سنة، ثم عاد إلى البصرة، وسكنها زمانًا، ثم خرج إلى نواحي فارس صحبة ابني ميكال، وعمل لهما كتاب «الجمهرة». وقلداه ديوان، فارس، وكانت الكتب تصدر عن رأيه، ولا ينفذ إلا بعد توقيعه بالأصل، فأفاد أموالًا عظيمة، كان لا يمسك درهمًا سخاءً وكرمًا، ثم أتي بغداد سنة ثمان وثلاثمائة بعد انتقال ابني ميكال إلى خراسان، وأجرى عليه المقتدر خمسين دينارًا في كل شهر، ولم تزل عليه إلى حين وفاته.
وكان واسع الرواية، لم يُرَ أحفظ منه، تُقرأ عليه دواوين العرب، ويسابق إلى إتمامها من حفظه.
وسئل الدارقطني: أثقة هو أم لا؟ فقال: تكلموا فيه.
وقال الأزهري: دخلت عليه فرأيته سكران، فلم أعد إليه.
وقال ابن شاهين كنا ندخل فنستحي مما نرى من العيدان المعلقة، والشراب المصفى.