روي عن عمر أنه قال لأبي أيوب الأنصاري حين فاته الحج: «فإذا أدركت الحج من قابل فحج وأهد ما استيسر من الهدي (١)» وهكذا روي عن ابن عمر، ولأنه صار كالمحصر فيجب عليه دم قياسًا عليه (٢).
ولنا: قوله ﵇: «من أدرك عرفة بليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفة بليل فقد فاته الحج»(٣) وهذا دليل على أن الدم غير واجب؛ لأنه موضع الحاجة إلى البيان، واللائق بمنصبه البيان في موضع الحاجة فإذا لم يبين علم أنه ليس بواجب.
وروي عن الأسود أنه قال: سمعت عمر يقولك: من فاته الحج تحلل بعمرة ولا دم عليه وعليه الحج من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت بعد ذلك بثلاثين سنة فقال مثل ذلك، وعن عثمان مثله (٤).
والمعنى فيه أن (الإحرام بعد ما انعقد صحيحًا) فطريق الخروج عنه (أداء أحد النسكين)؛ إما الحج أو العمرة، كمن أحرم إحرامًا منهما بأن قال: لبيك بما لبّي محمد وقال: لبيك بما لبى آخر. وقال علي: لبيك بما لبّى محمدا ﷺ، أو قال: لبيك اللهم ولم يعين الحج أو العمرة، وهاهنا تعذر الخروج عنه بأفعال الحج إنما فاته الوقوف فتعين عليه الخروج بعمل العمرة، فصارت أعمال العمرة في حق الحج بمنزلة الدم في المحصر فلا يجمع بينهما؛ أي: بين أفعال العمرة والدم، أما المحصر فعاجز عن الأفعال فلا يقع تحلله إلا بالدم. كذا في المبسوط (٥).
وما رواه الخصم معارض بما روينا، فيحمل ذلك على الاستحباب لا الوجوب جمعًا بين الروايتين مع أنه رواية شاذة، أو يحمل أثر عمر عليه وابن عمر مضطرب فيه جدًّا ذكره الثقات، وقياسه بالمحصر فاسد لما ذكرنا أن
(١) سبق تخريجه. (٢) انظر: الإشراف لابن المنذر (٣/ ٣٨٧). (٣) انظر: سبق تخريجه. (٤) أخرجه البيهقي في السنن (٥/ ٢٤٨ رقم ٩٨٢٣). (٥) انظر: المبسوط للسَّرَخْسِي (٤/ ١٧٥).