عنهما على سبيل التمام بالحلقين؛ لأن الحلق محظور الإحرام، وإنما يصير نسكًا بالتحلل، فإذا حلق ليتحلل عن أحدهما لا يتحلل عن الآخر، فيكون الحلق الأول جناية عن الإحرام الآخر، ولما عجز عن التحلل عن الإحرامين على سبيل التمام بالحلقين؛ علّق الشرع التحلل عن أحدهما بالذبح، والدم مما يقع التحلل به، كما في دم الإحصار، والتحلل الآخر بالحلق؛ إذ لا يقع التحلل على الوجه المشروع إلا بتقديم الذبح عليه، ليتحلل عن أحدهما بالذبح، وهو مشروع غير جناية، وعن الآخر بالحلق، فهو إذا قدم الحلق يصير نسكًا عن أحد الإحرامين، ويصير بعينه جناية على الإحرام الذي يقع به التحلل عنه، ولا يلزم على هذا التخريج أن تقديم الحلق وتأخير الذبح ينبغي أن يجب دمان، على ما هو الأصل في جناية القارن؛ لما ذكرنا أن الحلق منه يكون جناية عن أحدهما دون الآخر، والذبح ليس بجناية أصلًا، وإنما يلزم هذا الإشكال على من جعل الذبح والحلق جناية باعتبار فوات الترتيب، كما ذكره صاحب الهداية (١).
ويمكن أن يجاب عنه: أنهما في يوم النحر ليس بجناية؛ من حيث إن كل واحد منهما موقت بيوم النحر، ولكنه جناية من أنه فوت الترتيب الذي نص عليه النبي ﵇ بقوله:«إنّ أولَ نُسُكِنا … »(٢) الحديث، فيكون جناية من وجه دون وجه، فلا يوجب إلا دمًا واحدًا، بخلاف سائر الجنايات.
قوله:(القارن)(٣): قال شيخي: لا يلزم على ما ذكره العامة أن يجب عنده ثلاثة دماء؛ لأنه لما ثبت أن الحلق ليس بجناية عندهم وهو تأخير الذبح لا غير، والذبح من مناسك الحج لا العمرة، فكان هذا التأخير جناية واحدة، ولا يجب إلا دم واحد، وعلى ما ذكره البعض لا يلزم أن يجب خمسة دماء عنده، وثلاثة عندهما؛ بل يجب ثلاثة عنده ودمان عندهما؛ لأن الحلق وإن كان جناية على الإحرام عند هؤلاء؛ لكنه جناية بالنسبة إلى إحرام الحج لا إحرام العمرة؛ لأن
(١) انظر: البناية شرح الهداية للعيني (٤/ ٣٧٠)، والبحر الرائق لابن نجيم (٣/٢٦). (٢) سبق تخريجه. (٣) انظر ص ٣٠٣.